انتخابات «التيار»: «الميتركس العونية»

لم يبقَ في هذا البلد من مسحة انتخابات، الا انتخابات «التيار الوطني الحر» العتيدة، وهذا بحدّ ذاته يسجّل للتيار، ليعود فيطرح مما يسُجّل له جملة أشياء، ليس أقلّها التأطير المنزلي أو العائلي للمنافسة بين الأقرباء والمتصاهرين، وكون الانتخابات الواقعية هي الى حد كبير انتخابات ذهنية تجري في رأس العماد ميشال عون نفسه حتى موعد الاستحقاق، وكون الانتخابات على استقطابيتها، وحساسيتها، لا يتضح فيها، كفاية، اختلاف في وجهة النظر من الموضوعات السياسية الاساسية المطروحة، ومن تحالفات «التيار» المحلية والاقليمية، ولا يقترب احد من المنافسين ضمنها من مفهوم النقد الذاتي من قريب أو بعيد، وليس هناك حتى معزوفة من قبيل «الانتقال من شرعية المؤسس الى شرعية المؤسسة» على ما كنا نسمعه في تاريخ تجارب حزبية لبنانية سابقة. مع ذلك هناك اختلاف بيّن في بروفيل المرشّحين لولاية العهد العونية الداخلية. هناك انشقاق على مستوى مخيلة، على مستوى التخيل العوني لماهية العونيّ القياديّ النموذجي وشكله، وأصله وفصله.

أن تكون مسحة الانتخابات المتبقية في هذا البلد هي تلك العونية الداخلية، فهذا يشرّع رغبة كل اللبنانيين، وبالأخص المسيحيين، لكن ليس فقط، في التعويض عن الحرمان الانتخابي بعد التمديد مرتين للمجلس النيابي الحالي، كي يكون لهم، ولو حظ جانبي من الاحتكاك الافتراضي بهذا الحدث الانتخابي. رغم .

أن تختار بين صهرين للجنرال، أو بين قريب له وصهر، فيا لها من لعبة ذهنية طريفة ومفيدة في هذا البلد، لو أنّها طرحت على كل الناس. طبعاً، معاهد استطلاعات الرأي المقررة سلفاً لن تصرف جهداً كثيراً لمعرفة من يفضّله غير العونيين من المسيحيين، ومن يفضّله اللبنانيون عموماً، كمتقدّم بنتيجة الانتخابات العونية الداخلية.

المفارقة ان المشترك في النظرة من داخل «التيار» ومن خارجه، هو الادغام بين البعد المنزلي – العائلي – الشخصي للعملية، التي تكاد تجري بين عصبونات دماغ العماد عون نفسه، وبين بعد أشبه ما يكون بـ»الصراع الطبقي» بين «الطبقة الوسطى العونية» بقيادة النائب آلان عون وبين «الاوليغارشية العونية» بقيادة جبران باسيل. وهذا البعد ليس وهماً كلّه، بل يعكس بلا شك شيئاً ما، وأكثر ما يعكسه انه في هذه الانتخابات، العماد عون من موقعه كولي فقيه داخل جماعته، هو الى باسيل أقرب. مسألة عويصة اذاً: من جهة، الانتخابات تجري داخل رأس ميشال عون. من جهة ثانية، هي بين أقربائه. لكن من جهة ثالثة، هي انتخابات يتواجه فيها بشكل أو بآخر العماد ميشال عون مع قسم لا يستهان فيه من العونيين المواظبين على رفع الراية العونية. بهذا المعنى نحن أمام نسخة عونية من فيلم «المصفوفة» (ميتركس).

بهذه الانتخابات يريد عون اعادة برمجة تياره. لكنه يريد برمجته في الوقت نفسه كما لو ان التيار صار ناضجاً كفاية للاستقلال التنظيمي عنه، وكما لو انه سيظل يحتاج دوماً لقيادة عون المباشرة له.

لكنها ايضا انتخابات لمعرفة اي الخيبتين أوجع ضمنياً بالنسبة الى الضمير العوني، او من موقع هذا الضمير بالنسبة الى الضمير المسيحي ككل: خيبة عدم انتخاب عون رئيساً بعد كل هذا الجهد وكل هذا الشغور، او خيبة عدم اعتماد وجهة نظره في موضوع التعيينات الوظيفية؟ فهذه خيبة مزدوجة لكن ايضاً غربة مزدوجة عن الموضوع الاكثر تفجرا، وربما تفجيرا، للنظام اللبناني كما نعرفه حتى الآن، اي مسألة النفايات، وفوقها الكهرباء حبة مسك.

الاستقطاب العوني الداخلي سيزايد فيه الطرفان على اكثرهما وفاء للجنرال، او للمفهوم الجنرالي عن حقوق المسيحيين. لكن ان تجد هذه المنافسة على التعبير عن هذه «الحقوق» اختلافاً في الرؤية والمنهاج، او رغبة في وعي اكثر احاطة بمشكلة اختلال العلاقة بين الطوائف، وتحول المسيحيين بشكل او بآخر الى «مسيحيي السنة» في مقابل «مسيحيي الشيعة»، فهذه مسائل لا يعوّل فيها على الاستقطاب بين جبران باسيل والآن عون.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل