سجون وساحات – العم طنوس جعجع: إذا بتدقوا بشعرة من الحكيم!!

غيّب الموت الرفيق طنّوس جعجع والد الأب كابي والرفيق إيلي، وتكريماً له ننشر مقالاً في مجلة “المسيرة” – العدد 1460 يتحدث عن نضاله خلال الاحتلال السوري.

كتبت أوغيت سلامة في مجلة “المسيرة” – العدد 1460:

محبة “القوات” وقائد “القوات” كانت كافية ليكون طنوس جعجع قواتيًا أكثر من الملتزمين في صفوف “القوات اللبنانية” طيلة الحرب وبعدها وعلى مدى 11 عام اعتقال. الدموع تغسل حكاياته عن الأيام المرّة التي عايش معها مرحلة اعتقال الدكتور سمير جعجع والظلم والاضطهاد الذي عاناه مع الشباب القواتيين كافة. وبين القصة والقصة يعيد التذكير للقاصي والداني “نحنا 6 آلاف شاب من آل جعجع بتجمعنا قرابة الدم ومن ربع واحد، كيف بدك نترك إبنا هيك”؟

يروي العم طنوس بداية: “من بين جدودنا وسنة 1860 كان في شاب اسمو جبرايل البشراوي، وهو جبرايل رعد جعجع اللي رفض إنو يعرّف عن نفسو من بيت جعجع حتى ما يفرّق بين العيل، ولما صارت الضيقة على المسيحيي في جبل لبنان وذبح الآلاف منهم، انطلق طنوس البشراوي على الجبل ليدافع عن المسيحيي، ولمن وصل على جورة البلوط صلّى طلبة العدرا مع الشباب اللي رافقوه من جبة بشري، وبدأ الهجوم على بيت مري، حتى وصل عدير القمر وأعلن إنتصار المسيحيي قدام كنيسة سيدة التلة في دير القمر، وبيقولوا إنو كتب على حيط من حيطانها “إنتصار جبرايل البشراوي ورفاقه” بعدما رفض أنو ينسب الانتصار لئلو بس، ورفض يكون لآل جعجع فقط بل لكل عائلات بشري. فإذا كان هذا تاريخ أجداد سمير جعجع بعد في لزوم نسأل ليش حمل القضية المسيحية صليبو وناضل ليبقى الوجود المسيحي متجذّر بلبنان”؟!

تشعرك نبرة العم طنوس أنك مقصّر في معلوماتك عن تاريخ بطولات أبناء بشري تارة، وطيبته وهو يروي تشعرك تارة أخرى أن البساطة في الإيمان هي الخميرة أو هي حبة الخردل التي تقول للجبل انتقل فينتقل. يتابع طنوس روايته يقول “في يوم كنت عم اشتغل على نهر الكلب أنا متعهد طرقات لما رجعت ع البيت بتقلي مرتي “يا بو غابي الجيش طلع على غدراس وبدن ياخدوا الحكيم. وبوصلة عمي قلتلو بدي إطلع ع غدراس قلي وأنا طالع معك. طلعنا بالسيارة أنا ومرتي وعمي. كانت الدبابات أكتر من السيارات ع الطرقات. وصلت بعد شي 3 ساعات على غدراس لقيت إمو للحكيم برا واقفة هي وستريدا. بلشت سبسب للمسيحية والشعب ناكر الجميل وستريدا تسكتني وأنا أصلاً ما بعرفا إلا بالوج يوم عرسها. وشوي طلّ الحكيم ماشي مع الضابط جان سلوم. أنا ما قدرت هدّي أعصابي صرخت فيه “ما قالولك فلّ؟ فلّ يا زلمي … أخت المسيحية…” فنهرني وقال “بدك ياني فلّ يا طانوس ليش الرجال بيفلوا ولا بيواجهوا؟ وشو عاملين تنفلّ؟ إنت مش مؤمن بالعدرا؟…”.

قلتلو بدك تجي الشباب لهون جحافل؟ قلي “لا لا أبدًا ما حدا يعمل شي. قوموا فلوا”، سألتو “كيف فلوا يا حكيم”؟ قال “خلص قوموا فلوا”.

عندما خرج طنوس وزوجته وعمه من مقر الحكيم في غدراس كانت قوة من الجيش تطبق نهائيًا على المقر وتقفل المداخل تمهيدًا لاعتقاله، حاول أن يعود أدراجه الى فوق لكن الجيش طرده.

يتابع طنوس مرهقًا من مجرد الذكرى “وصّلت مرتي وعمي على البيت ورحت أبرم بيت وبيت على ربعي من بيت جعجع اللي ساكنين ببيروت وبلغهن إنو قبل الضو الساعة 4 بدنا نكون ببكركي. برمت من كفرشيما للحدت للدورة حتى وصلت الساعة 3 الصبح على الكسليك. وصلت على بكركي الصبح كانوا صاروا شي 2000 شب من بشري مجتمعين وشي بيطحش عالبوابة شي بينام عالأرض قدام الملالة، وما حدا من قلب بكركي عم يسأل عنا. بذكر المطران أبو جودة كان كل ما الجيش لقط حدا من الشباب يروح يجيبو. ما كان بدن إنو نشوف البطرك قال نايم. قلنالن نحنا مش رايحين من هون تنشوف البطرك ويطلع الحكيم، اليوم بكرا، أو بعد سنة. إذا سمير جعجع مفجّر الكنيسة نحنا ما عنا ولاد تفجّر كنيسة نحنا معمرينها على كتافنا من جدود جدودنا، وما منقبل الدولة تحاكمو نحنا منحاكمو!! صوب الساعة 3 بعد الضهر دخل الشيخ يوسف الدويهي ومعه الشيخ سعيد طوق على الصرح فطحشنا وراهن. من وصلتي لجوا طلع البطرك قاعد بالصالون بالوج ركعت قدامو وقلتلو “سيدنا بالشيلة اللي بتشيلا سمير جعجع مفجّر كنيسة؟ لقطني البطرك من كتفي وقلي “قوم يا ابني انت خالك يوسف الخوري؟ قلتلو ايه. وكان خالي وكيل دير مار يوسف، كفا وقلي “قالولو روح هيك ما حب يروح هيك راح بالعكس. وأنا معكن للنهاية”. هون طلعت لبرا وقلتلن يا شباب صار فينا نفل. ومنبلغ بعضنا شو بدنا نعمل”.

بعدها استمرت تحركات أبناء بشري باتجاه بكركي والبطريرك، وترك طنوس عمله للتفرّغ لقضية إبن جعجع المعتقل، ومساندة زوجته التي باتت رمز كرامة العائلة كما يقول طنوس ويتابع “لما قالت ستريدا انو لازم نترك غدراس وأخدت بيت يسوع الملك طلعنا تنجيب الغراض ما كان ضل شي، قسم اتكسّر وقسم انسرق وما عاد في شي مهم الا مولد الكهربا، حمّلناه على كميون ولما وصلنا ع يسوع الملك بدنا ننزلو إجو الدرك علينا ومنعونا قال بيزعج الجيران. فقلتلو للدركي “يا سيدنا هيدا الموتور إلي أنا وباقي ع الكميون لأن شوفورو مش هون بكرا بيجي الشوفور وبطلعو ع بشري”. بس فلو الدرك، اتصلت بهيكل الخازن الله يرحمو وقلتلو وديلي 4 جبالات باطون، بهالوقت كنت فضيت ورا البيت ونزّلت الموتور وجبت 12 شغيل من ورشتي، وغرقتو بالباطون. من بعدها عطيت شغيل مصاري وقلتلو جيب فين شمع. ركعت وبلّشت إزحف ع ركابي وضوي شمع وإزرع على الطريق من بيت الحكيم لكنيسة دير يسوع الملك، هونيك وقفت وقلتلو “إنت اصطفل فينا يا يسوع وبيّن مين فجّرلك كنيسة أمك…”.

“نيال” سمير جعجع بكل هذا الحب المتجرّد، البسيط بمفاهيمه ومقاييسه. طنوس جعجع من بين كثر أحبوا هذا الرمز لأنهم إعتبروه كرامتهم. يؤكد العم طنوس والدموع تغسل تجاعيد العمر حول عينيه وأثقال الـ 11 عام ظلم “لو كان سمير مجوي كنا نبذناه من العيلة، بس هو راح أبعد منا وقال أنا بدي دافع عن كل مسيحي بهالبلد وابن الجنوب والبقاع .. حقن علينا قبل ابن الشمال. هيك شخص كيف ما بدك تحبيه”؟!

وكي يبقى بيت الدكتور جعجع المعتقل في سجن وزارة الدفاع مفتوحًا بقي العم طنوس يتردّد يوميًا الى فوق مع وفود من الشباب البشراوي وعلى رأسهم يقول “المرحوم إميل جعجع ابن خالتي والشيخ سعيد طوق وطبعًا الشيخ فريد حبيب، الرجل اللي ما ممكن نكافيه لا بحياته ولا بمماته”.

وعندما بدأت المحاكمات راح العم طنوس يجمع طلبات الشباب لحضور الجلسات، كانوا يسهرون في منزله لتعبئة الطلبات ومن ثم تحملها زوجته “أم غابي” التي كما يقول تعرف القراءة والكتابة، لذا كان يتم تكليفها بتقديم الطلبات وتوقيعها في العدلية. كان يهمهم أن يدرك العالم كله أن خلف سمير جعجع ناس وليس متروكًا. لذا كان الدوام يوميًا في بيت الحكيم طيلة 11 عامًا لمتابعة كل الخطوات التي يجب ان تتخذ. في يوم من الأيام كان العم طنوس متوترًا جراء الانشقاقات التي حصلت بين القيادات القواتية آنذاك فقال لـ ستريدا “شوفي يا ستريدا في ناس عم تجي لهون بس يطلع الحكيم من الحبس بدي إشحطن من الباب بحق سيدة بشوات”. الى أن خرج الحكيم وكان طنوس جالسًا مع الشيخ فريد حبيب أمام المدفأة في الأرز فندهته ستريدا “طنوس ما بدك تشوف الحكيم؟” فركض لملاقاته وهو يعانقه قال له “كرامتي يا طنوس ما تقول لحدا شي خلي كل واحد بدو يجي ع البيت يجي..”. طنوس الذي كان قد نسي تهديده في غمرة سعادته بحرية الحكيم، إلا أن حماسته وغيرته على الحكيم بقيا مصدر قلق لستريدا التي كانت تسعى دائمًا  الى الحفاظ على ذاك التوازن الذي يجمع كل أبناء “القوات اللبنانية” تحت سقف بيت الحكيم.

لا ينسى طنوس المواقف المضحكة المبكية التي كانت تحصل جراء لسانه المرّ، يتذكر “لما توقف الحكيم رحت أنا والشيخ فريد حبيب وجوزف فضول (أبو لبنان) وميشال جعجع بيو للدكتور شربل جعجع الله يرحم نفس اللي ماتوا، رحنا لعند فارس بويز لأن ميشال كان صاحبو وبينتخب بكسروان، وكان البويز وزير الخارجية أخدنا منو موعد ليتوسطلنا مع عمو الرئيس لأن الموجوع بيروح وين ما كان. قعدنا نطرنا بمكتبو بالوزارة وكان العميد تيودور مكاري قايد الدرك، جبلنا القهوة وضيفنا بإيدو، لما دخلنا ع مكتب البويز قلنا “نعم شو بتريدو” بنبرة متكبرة من دون ما يقلنا حتى تفضلوا قعدوا، فقطشت حديث الشيخ فريد حبيب وقلتلو إنت صهرو للياس الهراوي وجايين ننقلك رسالة، عمول معروف بتقول لعمك بغض النظر عن “القوات اللبنانية”، نحنا بيت جعجع إذا بتدق شعرة من راس سمير جعجع نحنا 6 آلاف شب ما رح نخلي حدا من بيت الهراوي ببيتو… وبخاطرك. الشيخ فريد جنّ عليّ وقلي “ولك يا طنوس هيك بتعمل”؟ قلتلو هيدا الشعب هيك بدو”.

لم ترحمه ملاحقات أجهزة المخابرات ومضايقاتها، ومع ذلك كان يعرف كيف يتعامل معها، ليبقى بتصرّف ستريدا حينما تحتاجه. وحتى تعهداته التي كانت بين نهر الكلب وضبيه والحازمية حورب ليتركها لأن “أيام البشرانية خلصت” كما قال له أحد أصحاب الورش من بيت أسود في الحازمية، وأكل عليه حقه ككثر غيره، حتى وقع تحت عبء الدين فاضطر لبيع قطعة أرض في بشري لتسديد ديون العمل ومرتّبات العمال.

يوم خرج الحكيم من المعتقل كان القداس الأول لإبنه البكر الكاهن في الرهبنة الكريمية الأب غابي جعجع. شقيقه إيلي لم يشارك في ذاك القداس بل نزل الى المطار للاحتفال بحرية الدكتور سمير جعجع التي انتظرها 11 عامًا، مذ كان في الحادية عشرة من عمره. محبة الحكيم هي الأغلى على قلب العم طنوس كما على قلب أبنائه أيضًا!

وعندما انتهت محنة ابن “ربع بيت جعجع” عاد طنوس جعجع الى حياته العادية وانتهى الاستنفار العام في يومياته. ومع ذلك ما زال يشعر أنه مسؤول عن حماية ستريدا، فيوم أذاع تلفزيون “الجديد” خبر طلاق الدكتور جعجع من زوجته اتصل فورًا بستريدا مطمئنًا فقالت له “ما في شي من هالحديث يا عمي خود حكي مع الحكيم…” وبانفعال يقول “بجاه سيدة بشوات لو عرفت انو ابننا عم يئذي ستريدا كنت بقوصو بين إجريه!!..”.

للعم طنوس طرقه في الحب والدفاع عمّن يحب، وهو يعتبر أن الدكتور جعجع من لحمه ودمه وجزء منه ومستعد للدفاع عنه حتى الرمق الأخير… وهكذا فعل ويفعل كل يوم ومنذ سنين.

*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل