“كنا هناك”:  حرب ضهر الجمل ـ سن الفيل ـ حرج تابت… حكايات من أرض المعركة

كتب الياس دعبول في “المسيرة” – العدد 1449:

ثمة من يقول: “كل من يتكلم عن الماضي، ويغوص أسبار الذاكرة، لا يملك حاضراً يتكلم عنه”. لأمثاله نقول: “إن تراكم الثواني والأيام والسنين، يجعل من الأفكار مفاهيم ومن المفاهيم قيماً ومن القيم جماعة مؤمنة، أهم قيمها الوفاء، الوفاء لمن قلنا لهم يوماً: إن ننسَ….. فلن ننسى”.

 في شباط 1978 هاجم جيش الاحتلال السوري مجمع الفياضية الذي كان يضم المدرسة الحربية ومعهد الأغرار في الجيش اللبناني ومنزل قائد الجيش آنذاك الجنرال فيكتور خوري. أُمطر هذا المجمع بالقصف من كافة الأسلحة والمدفعية الثقيلة وراجمات الصواريخ بغية  إحتلاله.

وكان النداء التاريخيّ الشهير للشيخ بشير الجميل عبر وسائل الإعلام: “إذا لم يستطع جيشنا الباسل الصمود أمام هذه الهجمة البربريّة مع عدم التكافؤ بالأسلحة كمًّا ونوعًا سوف يخسر لبنان الوطن عموده الفقريّ وبالتالي نخسر الوطن ولن نخسره، لذا أنادي العامل في معمله والمزارع في حقله والطالب في جامعته إلى مؤازرة الجيش لنستعيد الكرامة فنستعيد الوطن ومستقبل أولادنا”.

نداء أثار الحماسة في قلبي كما حال بعض الزملاء أذكر منهم طوني حيدر وبسام جرجي وإلياس عبود دعبول وآخرين. وكان قد مضى أسبوع على تقدمي كما بسام وطوني بطلب الدخول الى المدرسة الحربية. وقررنا إثر ذلك النداء ترك بلدتنا تل عباس غربي-عكار والذهاب للالتحاق برفاق لنا في جبهة سن الفيل، محور الغزال-ضهر الجمل ومنهم: مطانيوس حبيب عوض ومرهج دعبول ونواف متري وإلياس مخول وعبدالله حنا وجرجس قاطرجي ومكرم دعبول وجورج فارس وفواز متري وآخرين.

الياس مخول

إلا أن والدي قال لي وقتها: “بغضب عليك إذا رحت شو مفكر العين بتقاوم مخرز”؟ فأوهمته بأنني لن أفعل. واستعملت وقتها ذكائي لأنني سأكون بحاجة إلى  خمس ليرات لأستطيع الوصول إلى حيث كان النداء.

وبعد أسبوع وكان أبي قد نسي الأمر تقدمت منه قائلاً: “أبي كما كنت أفعل عند عطلة كل صيف في بيروت عندما أذهب للعمل في مستودعات كرم للأخشاب وآتي بما تجنيه يدايّ لأساعدك عند بدء العام الدراسي لتسجيل إخوتي في المدارس وتغطية لوازمهم المدرسية، قد وجدت الآن عملاً في فيطرون أنا ورفيقي طوني”. فقال: “الله يرضى عليك”. وتوجه لأمي قائلاً: “شفتي إبنك شو مرضي. كالعادة سوف يذهب هذا الصيف أيضًا للعمل في بيروت لمساعدة إخوته في مدارسهم”! فقلت له: “لكنني بحاجة إلى خمس ليرات لبنانية كي أصل إلى مركز عملي”، فأجاب: “خذ هذه عشر ليرات ربما إعتزت أكثر”.

إنطلقنا أنا وطوني وبسام، يخالجنا مزيج من الخوف والحزن والغضب. حالة من فوضى الحواس تجعلك تدرك أن الخوف عقدة من سلاسل لا يكسرها سوى الغضب، والغضب لا يسري إلا في عروق من سالت منه كرامته والدماء لان كرامة الإنسان من كرامة الوطن.

وصلنا حلبا ومنها إنطلقنا إلى طرابلس في سيارة أجرة ومن ثم في حافلة إلى بيروت. وأذكر أنه فيما كانت الحافلة تعبر بنا نفق شكا القديم، كانت أفكاري مشوّشة وكنت وقتها ولحماسة الشباب إذ كان عمري تسعة عشر عامًا، قد خالجني شعور تتمازج فيه علامات الاستفهام في مضامير شتى ومنها خيبة تجاه الوالد، متسائلاً وبصمت مهيب هل تحرز أن يخاف أبي من خسارة مفترضة لإبنه مقابل خسارة للوطن برمته؟ والآن بوجدانية صادقة لحظة تسطيري لأحداث تلك الحقبة، أتوجه إلى والدي كما للوالدة بالمعذرة لما فعلت بهما ولتعريضي إياهما الى قلق ليس من بعده قلق خصوصًا وقد أصبحت أبًا لا بل جدًا لحفيدين. فعلاً أدركت وبشعور الأب ما الحال التي وضعت فيها الأهل والأحّبة لمدة مئة يوم من الحرب المدمّرة، نعم إنها حرب المئة يوم .ما أن وصلنا جبيل حتى بتنا نسمع القصف الكثيف ولكن من البعيد. وما أن وصلنا إلى نهر الموت وكانت المنطقة خلال تلك الأيام التي تأخرنا بها للالتحاق بالرفاق قد تحررت بدءًا من جسر المدفون مرورًا بجبيل بالكامل وكسروان، إذ إن حاجز الجيش السوري على جسر كازينو لبنان لم يعد موجودًا وصولاً إلى الضبيه فنهر الموت-الدورة وسن الفيل، ترجلنا من الباص تحديدًا عند معمل بيرة ألماسة نهر الموت فبتنا نسمع أصوات القذائف والراجمات تدك كامل المنطقة أمامنا بشكل لم نعهده من قبل خلال حرب السنتين (1975-1976) مما أدى إلى زرع الخوف في قلوبنا. ولكن كان نشجّع بعضنا، إذ كنا نركض بين البنايات لاعتقادنا أنها تردّ عنا  شر القذائف والصواريخ. وآلمني مشهد ترسخ في مخيلتي حتى الآن في الشارع الفاصل بين غاليري خباز ومستشفى مار يوسف: إنها سيارة من نوع بيجو 504 أصابتها قذيفة وفيها أربع جثث رجل وإمرأة وطفلان وبعض الأشلاء متناثرة على بعد أمتار من تلك السيارة. أرعبنا ذلك المشهد المأساوي وأثار فينا غضبًا لن ينطفئ حتى نشارك في معارك ضد ذلك العدو الهمجيّ البربري. وما هي إلا دقائق، كنا قد إقتربنا من ملعب برج حمود حتى صادفنا جثة وبقربها شاب يافع مجروح وكان يصرخ: يا بيّي.يا بيّي….. يا الله ليش هيك يا بيّي. يا بيّي!

كان الدم ينزف من كتفه، فتعاونا وسحبناه إلى مدخل بناء مجاور مؤلف من عدة طبقات حيث كنا نسمع جلبة في مدخل ذلك البناء. تقدمنا بإتجاه تلك الأصوات وإذا بنا على مدخل ملجأ للبناء كناية عن مستودع للخردة وفيه العشرات من النساء والكهول والأطفال، فعدت إلى رفاقي وأدخلنا الفتى الجريح إلى ذلك المكان للاهتمام به. بقينا معه حتى أسدل اللّيل ستارته بناء لنصيحة أحد الكهول “نطروا اللّيل وما تعرضوا حالكن” بعد أن عرف وجهة سيرنا. ومن ثم إنطلقنا والرعب يمتزج بالغضب الشديد على ما رأت أعيننا. حتى وصلنا إلى شارع الغزال والتحقنا بمركز تابع لإقليم عكار “الكتائبي” الّذي كان يوزع مقاتليه على ثلاثة مراكز: الأول محور الجسرين برج حمود الأشرفية، والثاني الغزال ـ ضهر الجمل، والثالث السيدة ـ حرش تابت. كما كان يوجه مجموعات دعم للـ  sks وغيرها من المواقع التي كانت تشارك في القتال ضد جيش الاحتلال السوري. فوجئنا عند وصولنا إلى محور الغزال- ضهر الجمل حيث رغبنا في الالتحاق بنبأ جرح إثنين من مجموعة تل عباس غربي على ذلك المحور، وهما جورج  فارس وإلياس مخول الملقب بـ”أبو أمين” الذي كان قد سطر ببطولته ملاحم لا ينساها مناضل خلال حرب السنتين إذ كان آمراً لمجموعة في “نمور الأحرار” على كافة الجبهات وخصوصًا تل الزعتر.

هناك أناسٌ يختصرون مسيرة وطن فتراه فيهم لما يزرعونه فيك من صورة لذلك البطل الذّي كان الصدى الّذي يعلو صوت النداء بما سطره من ملاحم وبطولة ذودًا عن وطن، إذ سُحب من أرض المعركة بعد إصابته في يده وكتفه الأيمن، كما نقل جورج فارس إلى مستشفى سيدة لبنان.

وعلى الفور تسلمنا أنا وطوني وبسام وإلياس الملتحقين حديثاً بنادق من نوع كلاشنكوف وتدربنا مع آمر المجموعة وقتها نواف على سلاح متوسط من نوع Mag وعلى قاذفة مضادة للدروع من نوع B7 وعلى رشاش من عيار 12،7ملم. وأخذنا المسؤول وقتها بجولة استطلاعية للتعرف على مراكز العدو المواجهة في ضهر الجمل وهي كناية عن كتيبة للمدرعات من طراز T54وT55.  كان عددنا يقارب الثلاثين أضف إلى ذلك مراكز حليفة هي: مجموعة الدامور ومجموعة تل عباس غربي ومجموعة حزب “الأحرار” بقيادة نبيل عباس (الظابط) ومجموعة حراس الأرز.

نديم فياض

كانت تلك المنطقة أشبه بمدينة أشباح حيث لا كهرباء ولا ماء إذ كنا نشرب من مياه خزانات الأسطح ونستعمل الشموع للإضاءة حيث تدعو الحاجة فقط. أما الطعام فكان يأتينا على شكل سندويشات من راهبات دير الصليب بواسطة سيارات الصليب الأحمر وأحياناً كثيرة لا يأتي إلا مرة في الأسبوع أو كل عشرة أيام وبكميات كبيرة، أطال الله بعمر تلك الراهبات اللّواتي كنّ يحسبن إحتمال عدم إيصال الطعام بسبب القصف العنيف وهذا ما كان يحصل، فأحياناً كثيرة كنا نأكل السندويشات والعفن ظاهر عليها.

في أحد الأيام وبينما كنت متوجهًا إلى متراس يطل على مواقع العدوّ تحديدًا في بناية الخازن وكنت أدندن أغنية وديع الصافي التي تثير في قلبي الحماسة “لبنان يا قطعة سما”، ما أن اقتربت من المتراس حتّى رأيت دماءّ تخرج منه، أسرعت إلى داخله وإذا بالرفيق جورج جثة هامدة. كان قد أصيب برأسه من خلال فتحة المتراس. أمسكت بكتفه فسقط أرضاّ وهذا ما أثار في قلبي غضباً لم أختبره في حياتي فأمسكت برشاش “الماغ” وصرت أرمي وبطريقة جنونية وربما لا أهداف تتحرك أمامي. أذكر أنني غيّرت ثلاثة جنازير أي ما يقارب ثلاثمائة طلقة خلال أقل من خمس دقائق لأفاجأ بصراخ من ورائي، وإذا بالرفيق عبدالله حنا يصرخ بي :

-لا يا إلياس شو صار؟

-قلت له: شوف هيدا جورج شوف شو عملوا فيه.

-قال: معليش كلنا ينتظر دوره والذخيرة محدودة لدينا تعال. بدّلني وقتها بالرفيق بسام جرجي ليهدئ من غضبي.

في ظل هذا المهرجان المؤلم والمجيد، بدأت وتيرة المعارك تتصاعد على المحاور كافة واحتدمت على محور جسر الواطي والفيات وجسر برج حمود حيث استشهد الرفيق نديم فياض بما عرف بمعركة الجسرين. ويشهد له الرفاق كافة بإقدامه وجرأته الّتي شكلت فارقاً حيث يكون إذ أنّه وكان بإمرته عشرة رفاق وبعد معركة بين كرّ وفرّ ولمدة ثلاث ساعات استرجع البناء الّذي دخله العدو وحرّره موقعًا من بداخله حوالى 30 بين قتيل وجريح غير أنّه وبينما كان يسحب أحد الرفاق الجرحى من أرض المعركة تعرض لوابل من الرّصاص من مواقع أخرى. كان يحمل ذاك الرّفيق الجريح على كتفه ولم يرمه ويتخل عنه بل جاهد حتّى دخل به إلى مكان آمن وسلّمه إلى الّرفاق الذّين كانوا بإنتظاره غير أنّه ولكثرة ما نزف وقع أرضاّ وفارق الحياة.

وكنت بين الجولة والجولة أتقدم إلى مراكز “حراس الأرز” حيث أصبح لي صديقاً ورفيقاً عزيزاً يدعى رودولف وكان من منطقة الشوف ومن الذّين تقدموا أيضاً بطلب إلى المدرسة الحربية على الدورة ذاتها التّي تقدّمت إليها.

لم يمض أسبوع على فقدان الرفيق جورج حتّى سمعت مساء أحد الأيام صراخاً من الرفاق: مطانيوس عوض ومرهج دعبول ومكرم دعبول هناك جريح، إنّه جوزيف عبد النور من بلدة جديدة الجومة عكار قد أصيب وهو يحاول تجاوز مصلبية ضهر الجمل بإتجاهنا فأسرعنا لنجدته فما كان من العدو إلا أن أمطرنا برشقات والشكر للّه نجونا ما خلا جرحًا بسيطاً في ساقي اليمنى، فأجبرنا على الانسحاب ثم أتينا بخشبة بطول أربعة أمتار ووقفنا داخل أعمدة بناء قريب منه ومددنا الخشبة له، تمسك بها وعندما بدأنا بسحبه، تلاشت قواه وترك الخشبة صارخاً دخيلك يا إلياس. وصدقاً وأنا الآن أكتب تلك السطور كأنني به اليوم عيناه مسمرتان بعيني وصراخه يخدش حتّى الآن عقلي اللاواعي. فقلت له “ساعدني تا يمشي الحال” ومددناها مجددًا من تحت صدره وصولاً إلى قدميه فتمسك بيديه ولفّ رجليه حولها واستطعنا سحبه ولكنه في هذه الأثناء تعرض للكثير من الإصابات. وضعناه بسيارة نبيل عباس وانطلقنا به إلى مستشفى الأرز حيث كانت الساعة اقتربت من السادسة مساءّ إذ توالى أكثر من عشرة رفاق على التبرع له بالدم غير أنّه فارق الحياة بعد منتصف تلك اللّيلة المشؤومة لانّه أصيب برصاص متفجر يدخل الجسم وينفجر بداخله.

بعدها زارنا النقيب سمير الأشقر، من أشد ضباط الجيش بسالة وكان يتفقدنا مرة في الأسبوع تقريبًا. وفي إحدى زياراته لنا أذكر أنني قلت له طبعاً بعد أن كنا نسمع بملاحم بطولية كان يسطرها ضد ذاك العدو الهمجي: “أنت بطل وستكون لنا المثال”. غير أنّه أجابني: “هناك أبطال أكثر مني وهم أنتم من تركتم أهلكم وأتيتم متقبلين الاستشهاد من دون أي مقابل ماديّ. أمّا نحن فنقوم بواجبنا وإذا استشهد أحدنا سيكون لعائلته راتب تعتاش به”.

على محور السّيدة-حرش تابت تولت الدفاع مجموعة من بلدة ممنع عكار بإمرة طوني طربيه مؤلفة من عشرين عنصراً أذكر منهم نديم مخول وجورج ليشا وأمين مخول وغازي عبداللّه وميشال سلوم وليشا إبراهيم. في النصف الأول من آب، استطاعت هذه المجموعة دخول بناء كان المحتل قد تمركز فيه بعد جولة عنيفة من المعارك، لتعود تلك المجموعة وببسالة قلّ نظيرها وتقتحم هذا البناء لأنّه أصبح شوكة في خاصرة مجموعاتنا. وبعد معركة دامت زهاء الأربع ساعات استطاعت المجموعة بإمرة طوني أن تحرّره وتوقع فيه حوالى عشرة قتلى من المحتل ليفرّ من بقيّ على قيد الحياة، غير أن آمر المجموعة طوني طربيه كان قد استشهد وهو يعيد توزيع عناصره برصاصة قناص من المكلس. والجدير ذكره أنه وحيد لأهله.

طوني طربيه

ثمة واقعة حدثت فيها بطولة لا تتكرر. في نهاية تموز على ما أذكر كمنت مجموعة “حراس الأرز” والتّي ينتمي إليها رودولف لرتل آليات مؤلف من سيارة جيب عدد واحد تتلوه شاحنة جند عدد 2 ثم نصف مجنزرة عدد 2 فسيارة جيب وتمكنت تلك المجموعة الباسلة من القضاء على كامل الرتل بقذائف الـB7 وألغام للأليات. غير أنّه وبعد ساعة تقريبًا، وكنا مجموعة عكار قد تقدمنا إلى ما يقارب المئة متر من مركز “الحراس”، وإذ بمجموعة مساندة للعدو تقدمت بإتجاه بناية “الحراس” وتحت تغطية من القصف الذّي يتردد صداه بصورة لا تنقطع واستطاعت دخول مركز “حراس الأرز” والقضاء على كامل المجموعة، غير أن رودولف كان قد هرب إلى سطح البناء فلحقوا به ورموه حياً من الطبقة الخامسة. للأمانة صراخهُ مزّق مكامن الذاكرة في دماغي حزناً عليه.

ومن وقتها اتخذت لنفسي لقبًا عسكريًا “رودولف” حتّى وبعد خمس سنوات أيّ في تموز من العام 1983 رزقت طفلاً أسميته “رودولف” وأنا الآن جدٌ لإبنته.عند إنتهاء حرب المئة يوم، أتتنا أوامر من الشيخ بشير بالتقدم إلى محور جسر الواطي-حرش تابت لمعاينة انسحاب جيش الاحتلال من الأشرفية. ومع التشديد بعدم التعرض أو إطلاق طلقة نارية واحدة بإتجاه الجيش المنهزم انسجامًا مع الشرف الذّي كانت القيادة تتحلى به بأنها إذا وعدت وفت لأن الاتفاق على وقف القتال كان يقتضي بهكذا حال. وما هي إلا دقائق حتّى سمعنا هدير آليات العدو، أكثر من مئة آلية بين شاحنة ونصف مجنزرة وجيب. واللافت وقتها أن جثث العدو في الشاحنات تتراءى لنا وفوقها ما نهبه هؤلاء من أثاث للمنازل من برادات وغسالات وتلفزيونات و… وأمام هكذا مشهد سريالي أدركت وقتها أنّ من يغمر قتلاه بمسروقاته لا يستطيع أن يقهر قوماً يؤمنون بالحق حتّى الشهادة، حينها أدركت أنّ من كان بسلاح الغدر يأتمر ليس بالطبع منا وليس بك إلهي ينتصر.

أتينا من المأساة، وخرجنا من الخوف، في إتجاه أحلام النصر، تتوزع دماؤنا على المتاريس، تلتهمنا دورة الموت، تأكلنا نار الحرب فتجعل منا إكسيراً لحياة وطن، تتطابق خريطته مع تضحياتنا وأحلامنا، مشهد ثان من فصل ثان في مسيرة وطن قبل التاريخ كان ويظل وطناً للسلام ونبقى نحن من المحاربين الناجين من الموت نتذكر.

بعد توقف المعارك، لم أعد إلى أهلي في عكار لأن مزيجاً من الخوف والخجل من أبي وأمّي اللّذين فعلت بهما ما فعلت كان ينتابني، بل توظفت في حلويات ورد في زوق مكايل ليأتي بعد ثلاثة أيام أحد رفاقي ليقول لي: “رجاع معي عا تل عباس”. قلت له: “ما بسترجي وخجلان من أهلي”. قال: “أمك طيلة الحرب كانت ترفض النوم في غرفتها بل على سطيحة بيتكن والراديو على أذنيها لتسمع تلاوة أسماء الشهداء”. سألته: “أولك مش غضبانين عليّي”؟ قال: “لا عندما عرفوا بأنك لا تزال حيًا بكوا فرحًا”.

عندها زرفت الدموع وقلبي يعتصر على ما فعلت بهما. وقررت العودة.

لما وصلنا قبّلني أبي قائلاً: “أنا غلطان يا بيّي بالفعل العين قاومت المخرز. بالسلاح الخفيف قدرتوا تحرروا المنطقة المحررة من أكبر آلة تدميرية”. أمّا أمّي فقد وقعت أرضًا تأثرًا.

في 31/12/1979 تم إغتيال الرفيق إلياس عبود دعبول على أثر حوادث إهدن. فقررت بعدها الالتحاق بقيادة منطقة الشمال بإمرة قائد المنطقة وقتها الدكتور سمير جعجع.

عُيّنت آمر مركز شناطا. من بعدها في أواخر العام 1980 كانت قد حصلت ردة فعل على مقتل ثلاثة رفاق في عكار من قبل الحزب الشيوعي. وهم: نزيه كفروني وميشال إلياس ومعن ونّوس. قتل متحمسون وبردة فعل شيطانية طالبًا جامعيًا في بلدة كفرحلده معقل ثكنة إقليم عكار، فما كان من الحكيم وقتها إلا أن سجن الفاعل في سجن ترتج لمدة ستّة أشهر وطرده من منطقة الشمال بالكامل وأرسل بطلبي حيث عيننّي قائدًا لتلك الثكنة منبهًا إياي: “نحن نقاتل ذودًا عن الوطن لا إنتقامًا من الناس مهما كانت إنتماءاتهم”. وعملت بتوجيهاته وسكان بلدة كفرحلدة يشهدون على ذلك وكانت نتيجة تصرفاتنا وقتها أن وثق بنا سكان البلدة والتحق بنا الكثيرون. وأذكر من الرّفاق المقدامين كابي يزبك ونزار سمعان وآخرين.

وبعد عام أي في تشرين الأول 1981 أتتني برقية الآتي نصها: “اجتماع غدًا مع الأسمر”. وكان هذا لقب الحكيم وقتها. وصلت في اليوم الثاني على الموعد وتقدمت منه بالتحية وعرفني وقتها على الرّفاق جورج أنطون وفيكتوريا سكر وسليم منعم ويوسف حرب وجورج عنداري وجوزيف دعبول، وقال ما حرفيته: “ليكو يا شباب نحن مش همنا الحرب وبس همنا تداعيات لما بعد الحرب. بلدة نيحا وبسبب حرب قنات صارلا المدرسة مسكرة فيها سنتين لأن أساتذة الملاك لم يلتحقوا بها منذ الحادثة وهناك من هم في البلدة ميسورو الحال قد نزلوا إما إلى طرابلس وإما إلى جبيل لتعليم أولادهم أما الفقراء فلن نترك أولادهم من دون مدرسة. إتفقت مع وزير التربية وسنلحقكم بتلك المدرسة بنظام التعاقد، وتكون أنت يا إلياس مديرًا بسبب قرب مركزك من البلدة ومقر سكنك لا يبعد سوى 4 كلم عن نيحا”.

وهكذا كان إذ كنا قد التحقنا وكما التحق كل من الأساتذة يوسف إبراهيم وسلمى عنداري وياسمين مراد ولوريس مراد وأدرنا المدرسة، والأهالي يشهدون وكان من ينهي الصف الخامس الابتدائي يتوجه إلى تكميلية كفرحلدا.

مراكز ثكنة عكار كانت كفرحلدا-شناطا وهي إحدى المراكز التابعة لثكنة عكار كما ديربلا- بساتين العصي- بيت كساب كما كانت قوة تدعم مركز حريصا تنورين.

مخيم اللقلوق – آب 1982

استشهد وفي خلال الأسبوع الأول من آب 1981 ثلاثة رفاق في مركز شناطا كان آخرهم الشهيد جورج مخايل من ممنع. في 4 أيلول من العام عينه كنت قد تزوجت ونزلت في فندق دوما وفي اليوم الثالث من الشهر المفترض شهر العسل استشهد الرفيق نواف متري فتوجهت بزوجتي إلى أهلي في النبعة وعدت إلى الجبهة حيث دارت معارك ولمدة ثلاثة أسابيع تقريبًا. وفي عملية نوعية تمّ أسر رقيب أول في جيش الإحتلال السوري فإقترب أحد أقارب الشهداء الذّين لم يبرد دمهم بعد محاولاً الإنتقام موجهًا رشاشه إلى وجه الأسير فصرخت به: “لا يا رفيق أنت رجل والرجل لا يقتل أسيرًا”. وقتها والفضل ليسوع وليس لي إذ إنني تذكرت الآية التّي تقول “عامل بمثلما تحب أن تعامل”. فأحسست بأني أنا هو الأسير وأدخلته إلى غرفة العمليات وطلبت له فنجان شاي فإرتجفت يداه وسكب الشاي على فخذيه. فقلت هدئ من روعك لن تموت ولكن علي أخذ التحقيق الأولي منك فلا تكذب وهوّن عليّ لأني لا أريد لك الأذية بل ستبقى معنا لمبادلة مفترضة. أعطاني كامل إسمه ورقمه العسكري والقطعة التابع لها واعترف وقتها بأنّه آمر مربض مضاد 57 ملم في عين عكرين ومنه كانت مراكزنا تدكّ. بعد الإنتهاء توجهت به بمؤازرة إلى ثكنة القطارة حيث قابلت “الحكيم” ورويت له ما حدث فترك مكتبه وتقدم مني مقبلاً إيايّ قائلاً: “برافو أنت طبقت مقولة علينا أن نعمل بها: أنا مقاتل ولست بقاتل. أتركه قيد التوقيف، لدينا الكثير من المعتقلين في السجون السورية إنشاء اللّه يجيء يوم ونبادل بهم رفاقاً لنا في سجون المزّة”.

وبالفعل عند هذه الحال تنشأ بينك وبين الأسير علاقة وجدانية، فأصبحت كلما هممت بزيارة أهلي في بيروت أمر على المعتقل وأطمئن عليه.

* لأن القضية على مساحة الـ10452، تنقّل أبناؤها من جبهة الى أخرى مرة لصد عدوان ومرّة لتأخير إنهيار ومرة لتسجيل بطولات وطرد غزاة. فكان الرفاق يزرعون البطولة والعنفوان في كل شبر تطأه أقدامهم، وإمتزج عرق المناضلين ودماء الشهداء من الشمال الى الجنوب والجبل والبقاع وبيروت. وكتحية وفاء لهم، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “كنا هناك” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل