
إفتتاحية “المسيرة” – العدد 1521:
سمعنا منذ مدة بخطة أمنية للبقاع، وتحديداً للبقاع الشمالي، ولكن يبدو أن تلك الخطة كانت للقطب الشمالي. فالنية كانت صادقة في المبدأ لدى المسؤولين المعنيين، وتحرَّك الجيش والقوى الأمنية في مناطق عدة، وبالأخص في بريتال وبعض جرودها، وحصلت توقيفات، ولكن.
المطلوبون والمجرمون والعصابات الكبرى والصغرى، جميعهم عرفوا بالخطة واستدركوها مسبقاً، ليتبيّن بعد حين أن مفاعيل الخطة تبخّرت، وأن الرعاع وشذاذ الآفاق عادوا وبقوة ووقاحة ليعيثوا خطفاً وسلباً وقتلاً وترهيباً وابتزازاً. خطف من أجل فدية، عراضات قوة واستقواء، عمليات سلب وسطو ولجوء إلى حيث لا تجرؤ الدولة أو لا تريد.
كل ذلك، لسبب أساسي يحرص البعض على التعمية عليه أو تجاهله. والسبب هو اعتبار “حزب الله” أن البقاع الشمالي جزء من الدولة في الشكل وجزء من دويلته في الواقع. فهو بسلاحه يفرض سطوته ونفوذه متحججاً بأن سلاحه للمقاومة، مقاومة إسرائيل ومقاومة الإرهاب، وعند اللزوم، وهناك دائماً “لزوم”، للتصدي لكل معارض أو معترض على سلاحه وممارساته.
وإلا من أين لتلك العصابات أن تجد الغطاء والملاذ، لا سيما وأن الجيش مضطر للإنتشار بكثافة في المناطق الحدودية المحاذية لسوريا، بينما يتصرف الحزب وكأن الجيش في خدمته للتخفيف من وطأة الحرب الضاغطة عليه في الداخل السوري.
ما يحصل في البقاع الشمالي من تفلّت واستباحة للمحرّمات ولأصول التعايش بين المسيحيين والمسلمين بات يستدعي معالجات استثنائية، وإلا فإنه مرشح للتفشي في مناطق أخرى، فالسلاح يجر السلاح والفوضى تجر الفوضى، والعنف يجر العنف، وكل ذلك على حساب الدولة والأمن الشرعي والمواطن الآمن.
إن التعرض السافر للمطران خليل علوان وللأب إيلي نصر على الطريق بين عيون السيمان وبرقا، من قبل مجموعة من المسلحين، وفي أكثر من سيارة، وعلى رأسهم محمد جعفر أحد المطلوبين والمشتبه بهم في قضية خطف الشاب مارك الحاج موسى، يشكل تحدياً خطيراً واستخفافا كبيراً بالقوى الأمنية، علماً أن أحد رجال الدرك من آل رحمة تعرض ايضاً لما تعرض له المطران علوان.
وهل ننسى جريمة بتدعي ومرتكبيها الفارين، والمسلحين الذين اعترضوا المطران السابق لأبرشية دير الأحمر سمعان عطالله، وقتلة الجنود الأربعة على مفرق رياق، وسواها العشرات من الإعتداءات؟
ولعل أحداً ينبري ليقول: طالما أن الدولة تتفرج على قوافل “المقاومين” تعبر بالمئات وبسلاحها الثقيل نحو سوريا، وتدفع في الوقت عينه من دماء ضباطها وجنودها ثمن هذا التورط، فهل من المنطق أن تنتظروا منها ملاحقة جدية للعصابات والزعران الذين يتلطون بالسلاح المقاوم؟!
إنها مسألة فيها نظر! لأن الخطط الأمنية يجب ألا تكون مجرد وجهة نظر؟