كشفت صحيفة “العربي الجديد” في تحقيق استقصائي نشر الخميس، خبايا وأسرار الفساد المالي لعائلة مخلوف في سوريا، وكيفية إدارة الأموال المنهوبة من الشعب السوري بطرق سرية في الخارج والداخل، واستعرضت الصحيفة بالأدلة والوثائق والبراهين الشركات والبنوك والشخصيات التي تتعامل معها عائلة محمد مخلوف خال رئيس النظام بشار الأسد، ويبيّن التحقيق العالم السفلي غير المعلن لإمبراطورية عائلة آل مخلوف المالية، حيث أنّ الشركات الخمسين المعلنة في سوريا والمملوكة للعائلة ليست سوى الرأس الظاهر للعيان من جبل الجليد، حيث تتغلغل هذه الشركات ذات الضرائب المنخفضة والأسماء الوهمية لتدخل في شراكات وصفقات سرية، وتمرر الأموال بعيداً عن الرقابة المالية العالمية، حسبما أوردت الصحيفة.
وأظهرت الصحيفة بالأسماء والأرقام كيف أن العمليات المعقدة والشركات الأم المخفية المملوكة لعائلة مخلوف تختبئ في الملاذات الضريبية الآمنة (مناطق تفرض بعض الضرائب أو لا تفرض أي ضرائب على الإطلاق أو هي دول تتمتع أنظمتها المصرفية بقوانين صارمة لتحافظ على سرية حسابات عملائها الأجانب فتساعدهم على التهرب من دفع الضرائب في بلادهم الأصلي.
التعامل المباشر مع إسرائيل
وكشف التحقيق أن عائلة مخلوف تعتمد على شخصيات إسرائيلية، وموظفي بنوك عالمية، وشخصيات مستأجرة تعرف بالبروكسي (تسجل الشركات باسمها من دون أن يكون لها أي علاقة حقيقية بها) من بلدان المناطق الضريبية والملاذات الآمنة، في حين أنها تنفذ أعمالاً في بلد آخر يخضع لسيادة دولة أخرى من الناحية القانونية).
وتكشف الوثائق الخمس التي نشرتها الصحيفة شركات سرية مملوكة بأسماء عائلة مخلوف (الأب محمد مخلوف، وأولاده: رامي، حافظ، إياد، إيهاب)، كما تكشف بعض الشركاء والشخصيات المستأجرة كواجهات تسمى بروكسي في إدارة هذه الشركات، ومن هذه الشخصيات رجل الأعمال الإسرائيلي فريدي زينغر (Freddy Zinger) وشخصيات أخرى سورية وغير سورية، لتسيير هذه الشركات في دول أوروبا وكندا، وإبقاء المالك الحقيقي وراء الكواليس.
وتظهر حسابات البنك السويسري والوثائق الرسمية لسجلات هذه الشركات في جزر العذراء شخصيات أخرى مرتبطة بهذه الشركات منها: رجل الأعمال الإسرائيلي، فريدي زينغر، المولود في بولونيا ببولندا (1954) والمقيم منذ ذلك التاريخ وحتى الآن في إسرائيل في منطقة تسمى “رعنانا”، زينغر الذي ظهر في حسابات شركات: هوكسيم وكارا كوربوريشن، كما ظهر كمفوض يسمح له دخول حسابات كل من: ضابط الأمن حافظ مخلوف ورامي وإيهاب وإياد، كما أظهرت الوثائق، أيضاً، أنّ هؤلاء الأربعة هم مالكون Beneficial Owner للحساب المصرفي المسجل باسم الإسرائيلي زينغر، كما ظهرت زوجته الإسرائيلية لوريا زينغر كمالكة للحساب أيضاً.
زينغر الذي يقيم حالياً في مستوطنة كريات شمونة، ويدير جمعية دعم التعليم في إسرائيل، إضافة إلى ملكيته بعضَ الشركات الطبية التي سجلت اختراعات طبية في إسرائيل، يحمل ألفاظاً مختلفة لاسمه (تم التأكد منها من معد التحقيق بعد مقارنة باقي المعلومات كالمواليد والعنوان والسيرة الذاتية والصورة لزينغر): Freddy Zinger أو Fredy أو Friddie Singer، راسله معد التحقيق لمواجهته بالحقائق على بريده الإلكتروني المعلن على موقع الجمعية الخيرية التعليمية التي أسسها ويرأسها، فلم يجب عن الأسئلة على الرغم من مرور خمسة أشهر على إرسالها، وعلى الرغم من تحديد موعد نهائي لتسلم الإجابة (أرسلت بتاريخ 26 شباط 2015، ولم تصل الإجابة حتى تاريخ نشر التحقيق).
كان زينغر في الفترة ما بين 1976 و1981 يحمل رتبة كابتن، ويشغل منصب مدير التطوير في الجيش الإسرائيلي. ويعتبر زينغر شريكاً في شركة ويست فارما العالمية لإنتاج المعدات الدوائية، والتي تنتشر في مختلف بلدان العالم بأسماء مختلفة، بعدما دمج معها شركته Medimop.
إمبراطورية آل مخلوف
إمبراطورية محمد مخلوف، الموظف الحكومي السابق في مؤسسة التبغ والمصرف العقاري الحكومي وعائلته (زوجته غادة مهنا وأبناءه: مستشار وزارة الصناعة الذي أصبح أغنى رجل أعمال في سوريا، رامي مخلوف، وضابط الأمن حافظ مخلوف، والنقيب في الجيش، إياد مخلوف، وإيهاب مخلوف ضابط في الجيش، كندا وسارا، وزوجة الابن حافظ ربا عيسى مخلوف)، جاء جانب من ممتلكات إمبراطورية آل مخلوف المالية، ضمن وثائق الحسابات المصرفية لبنك HSBC في سويسرا والتي تحوي أكبر قائمة متهربين من الضرائب في العالم، وتعرف بتسريبات Swissleaks التي سربها موظف في البنك للسلطات الضريبية الفرنسية، ثم سربتها السلطات الفرنسية للاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين ICIJ وصحيفة لوموند الفرنسية، وحصل معد التحقيق على الوثائق الكاملة للحسابات المصرفية لعائلة مخلوف باتفاق موقع رسمياً مع ICIJ ولوموند عن طريق شبكة أريج (إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية).
كشفت الوثائق عن سيولة مالية تم تمريرها إلى شركاء وشركات الملاذات الضريبية الآمنة، ضمن حسابات عائلة مخلوف المذكورة، وتقدر كمية الأموال التي تضمنتها الوثائق بـ 43 مليون دولار، ومنها تابع معد التحقيق خيوط هذه الوثائق التي تعود إلى حسابات العائلة، منذ عام 1997 وحتى عام 2007، ليصل إلى وثائق حديثة عن الشركات المخفية والشخصيات التي تدير أموال العائلة، ويكشف عن علاقة مالية غير سوية، تفوق علاقة العميل بالبنك، بين كل من عائلة مخلوف وبنك “اتش اس بي سي”، إذ يكشف التحقيق تفسيراً لما نشرته صحيفة صنداي تايمز اللندنية، أواخر عام 2012، نقلاً عن وثائق حصلت عليها، تكشف أن بنك “اتش اس بي سي” بفروعه المختلفة، وخصوصاً في سويسرا، استمر في التعامل مع عائلة مخلوف على الرغم من العقوبات الغربية الأوروبية والأميركية، وأن البنك أدار بعض أموال مخلوف في شركات الأوف شور المخفية.
وكيل سري لشركات عالمية
كشفت الوثائق المسربة من حسابات البنك السويسري، أنّ الموظف الحكومي السابق، محمد مخلوف، قدم بياناته المصرفية، إلى بنك “اتش اس بي سي”، باعتباره وكيلاً للشركات العالمية: شركة التبغ الأميركية فيليب موريس (مارلبورو و L&M) وشركة ميتسوبيشي اليابانية وشركة كوكا كولا الأميركية، في سوريا، وهي معلومة لم تكن معروفة من قبل.
شخصي وسري
يظهر من ملفات حسابات العائلة في البنك السويسري، أنّ الحسابات لم تكن لاكتناز الأموال، وإنما لتمرير أموال ولربط أسماء وشخصيات وشركات بهذه الحسابات، وتحويلها إلى بنوك وشركات أخرى مخفية، فبعض الحسابات، مثل سارة وربا وإيهاب مخلوف جرت فيها حركات مالية لمدة لا تزيد عن ثلاث دقائق، ومعظم هذه الحسابات فيها مالكون، إضافة إلى عائلة مخلوف، لا تظهر أسماؤهم، بل أرقامهم فقط، وفي حساب رامي مخلوف تركيبة معقدة من المرتبطين بالحساب والمستفيدين، فهو مرتبط بـ 18 حساباً في البنك، وفي حسابه حركة مالية بقيمة 27 مليون دولار، وشركاء مرتبطون بالحساب يحملون أرقاماً مشفرة لبعض الأسماء المخفية مستفيدين من القوانين السويسرية التي كانت تسمح بذلك، وفيه اسم “منى” فقط دون اسم العائلة، وفيه شريك في الواجهة باسم “أحمد غسان البنشي” والذي ظهر كمساهم في شركة شام القابضة، وهي أكبر شركة في سورية، كما ظهر في حساب رامي، أيضاً، الإسرائيلي فريدي زينغر، وأسماء ثماني شركات مرتبطة بعائلة مخلوف (دريكس، ماسماك وموساك إضافة إلى الشركات الخمس في جزر العذراء والتي ذكرت سابقاً).
في حساب رب العائلة وزوجته غادة مهنا كثيرٌ من الألغاز التي تكشفها الوثائق، منها اللقاءات التي عقدها محمد مخلوف مع إدارة بنك “اتش اس بي سي” لإدارة استثماره الجديد، وتم ذلك بزيارة قام بها مخلوف مع زوجته غادة للبنك في سويسرا، بتاريخ 5 كانون الثاني 2005، وفقاً للوثائق. كما ظهر في الحساب فريد إبراهيم زاك من تورنتو في كندا، وهو متقاعد من مواليد 1924 بينت متابعات معد التقرير أنه توفي أخيراً.
كما تشير معلومات حساب الخال محمد مخلوف، إلى أنّه قدم أحد عناوينه باسم “شخصي وسري” ذاكراً عنوانين بعض مسؤولي فرع بنك “اتش اس بي سي” في لبنان منهم، روي أبو عسلي، بحسب الوثائق.
جشع عائلة مخلوف
على الرغم من إعلان رامي مخلوف في مؤتمر صحافي، في حزيران 2011 ، نيته تحويل أرباح مساهمته في شركة سيريتل التي تدير أرباحاً قدرت بنحو ربع مليار دولار سنوياً للعمل الخيري الذي تديره جمعية البستان “الخيرية”، ظهرت تسريبات ويكيلكيس، لاحقاً، لإعلانه، والتي اعتمدت على رسائل إلكترونية مخترقة من شركة شام كابيتال للوساطة المالية ونشرتها صحيفة الأخبار اللبنانية المقربة من حزب الله الموالي للنظام السوري، بينت الوثاق المسربة، أن مخلوف كان يستغل أجواء الحرب في سوريا، لشراء مزيد من الأسهم في مصارف سوريا، على الرغم من إعلانه التحول الى العمل الخيري، وإعلانه وأشقائه الاستقالة من مجالس إدارات مصارف وشركات مثل بنك سورية الدولي الإسلامي وبنك بيبلوس وشركة العقيلة للتأمين التكافلي.
وفي شهر حزيران العام الحالي، رفضت المحكمة الإدارية الفيدرالية السويسرية رفع الحجز عن أموال رامي مخلوف، وبينت المحكمة: “أن إعلان مخلوف انتقاله إلى العمل الخيري لا يثبت أنه نأى بنفسه عن النظام وممارساته. وأضافت أن لمخلوف “مصلحة شخصية ومباشرة في إدامة النظام السوري الحالي للحفاظ على مكانته وبالتالي على مستوى معيشته”.
