#adsense

سجون وساحات –  المحامي سمير الزغريني: سر الرسالة من الدكتور جعجع

حجم الخط

كتبت أوغيت سلامة في مجلة “المسيرة” – العدد 1443: 

قبل زمن الاعتقالات والسجون كان ينتمي الى “هيئة الإنقاذ الكتائبية” ومسؤولاً عن منطقة المتن، وكان وكيلا عن مؤسسات وشركات عدة لـ”القوات اللبنانية”. ابن المتن لطالما لحق بقطار المقاومة اللبنانية ايًا كان قائد القطار. يقول: “صحيح كنت كتائبيًا ولا أزال أحب “الكتائب”، لكنني أعجبت بسلوكيات الحكيم ومنهجيته وإنضباطه  وحياته وطريقة تفكيره… فبعد الرئيس الشهيد بشير الجميل كان هو رمز المقاومة الوحيد في المجتمع المسيحي.

“الأستاذ سمير” كما يعرفه “القواتيون” لعب طيلة 11 عامًا دور الإطفائي والرسول الأمين كونه مصدر ثقة لكل الرفاق وعلى رأسهم القائد السجين. عن ذاك الدور قبل جريمة تفجير كنيسة سيدة النجاة وبعدها يروي الأستاذ سمير الزغريني ويتذكر.

يستهل حديثه بواقعة قلّة تعرفها: “قبل أسبوعين من تفجير الكنيسة، ويصدف أن منزلي في جوارها في الزوق، إنتشر بين مفرق كنيسة سيدة النجاة ومستديرة “الكاستيل” أول شارع الكسليك مجموعة من الشبان غير اللبنانيين من ذوي البشرة الداكنة، وراحوا يتوزعون بين السيارات على الطريق الفرعية بين “إكزوتيكا” وسينما “إسباس”، لبيع أدوات منزلية وأكسسوارات السيارات. كانت ظاهرة غريبة في منطقة كسروان بعد 30 عامًا من الحرب. حاولنا أن نشكو قلقنا من هذه المجموعات الغريبة الى المعنيين في ثكنة الجيش اللبناني في صربا وفصيلة درك جونية فلم نلق إجابة إلا بهزّ الرؤوس والأكتاف وأربع كلمات “ما فينا نعمل شي”.

قبل ليلة من تفجير الكنيسة وفيما كنت أنتظر زوجتي في محلات “ورد” للحلويات فوق الكنيسة ريثما تنتهي من تجهيز نفسها لننطلق الى دعوة عشاء في بيروت، دخل أحد البائعين المذكورين وشكله المريب يوحي أنه خارج من السجن للتو، طلب علبة سجائر وأراد دفع ثمنها بالعملة الأردنية. كانت دهشتنا كبيرة لأنه يفترض طالما أنه يمضي النهار كله في الشارع ويبيع أغراضه بالعملة اللبنانية فكيف لا يملك بضعة آلاف ليرة لبنانية ليشتري علبة سجائر؟ لم يقبل البائع في المحل العملة الأردنية وقال له “جيب مصاري لبناني ورجاع اشتري”، فذهب وانزوى تحت جسر المشاة فوق الكنيسة.

صباح الأحد في العادة نشارك أنا وزوجتي بقداس كنيسة سيدة النجاة الصباحي إلا أننا غبنا بسبب سهرتنا الطويلة، وصحينا على صوت إنفجار. هرولنا الى الخارج وفي اعتقادنا أن الصوت ناجم عن إنفجار عبوة غاز إلا أنها كانت عبوة متفجّرة فركضنا لاغاثة الجيران والأصدقاء. واللافت هنا أن القوى الأمنية والمخابراتية التي تابعت التحقيق في الجريمة رفضت أن تستمع الى إفادتنا ولم تعر الموضوع أي أهمية لأنها لم تكن تبحث عن الفاعل والمجرم بما أنها كانت تجهّز التهمة لتلصقها بـ”القوات اللبنانية” وقائدها.

قامت الدنيا ولم تقعد في تلك الحقبة والكل كان يطالب الحكيم بتوجيه كلمة قاسية في المناسبة تنتقد الدولة وأجهزتها الأمنية غير القادرة على حماية أبنائها. عشية ذاك اليوم قال الحكيم كلمته وكانت قاسية جدًا. في هذا الوقت كانت أجهزة الوصاية السورية جاهزة للهجوم المضاد وسيناريو الاتهامات الذي حضّرت له. ساعات وبدأت التسريبات بأن “القوات” هي المسؤولة عن التفجير، كانوا يخططون لاعتقال الدكتور جعجع بقضية مهينة ومذلّة. سارعنا في التوجه الى غدراس لنقف على التطورات فوجدنا أن بعض المعلومات قد وصلت الى الحكيم وهي تشير الى بداية تسريب أجواء تقول بأن شبابًا من “القوات” مسؤولون عن التفجير. بعد مرور عدة أيام فهمنا أنهم وضعوا الحكيم في أجواء أنه سيخضع للتحقيق، فبدأنا نشعر بجدية الخطر خصوصًا عندما أعلن الوزير السابق ميشال سماحة قرار حلّ حزب “القوات اللبنانية”. أدركنا في تلك اللحظة ان الحكيم قرّر أن يتلقى الضربة بصدره ووحيدًا لتحييد الشباب.

أذكر أن الحكيم كان يكرر علي السؤال “ما رأيك بالقاضي فيليب خيرالله”؟ كان فيليب خيرالله رئيس مجلس القضاء الأعلى، وكنت أرد عليه أنني أعرف أنه رجل عصامي وعاقل ونزيه ورجل قانون، لكن لطالما كان لدينا تخوّف لأن العملية أكبر منه والقرار السياسي والأمني لا فيليب خيرالله ولا غيره يمكن أن يبدلّ فيه حرفًا. بالتأكيد لم يكن الحكيم خائفًا من التحقيق لا بل مصرًّا على المواجهة.

كنت عائدًا من مكتبي في بيروت عندما التقيت بموكب الجيش الذي كان ينقل الدكتور جعجع الى وزارة الدفاع، في تلك اللحظة شعرت أن روحي خرجت مني. كرامتي في الأرض. يتهموننا بتفجير كنيسة ونحن ناضلنا طيلة حياتنا وحرقنا العمر دفاعًا عن المجتمع المسيحي وعن ثوابتنا ورموزنا وكل ما نؤمن به… خصوصًا وأننا كنا خارجين من آتون حرب الإلغاء ومجتمعنا المسيحي مشرذم. للحظات شعرت أنني فقدت قيمتي الانسانية، ووصلت الى البيت في حال من الانهيار. بدأت الاعتقالات وبدأنا تحركنا كمحامين، شباب لا ذنب لهم أطباء ومهندسون وطلاب تعرضوا لشتى أنواع التعذيب ولم يكن بامكانهم أن يخبروا تجربة الذلّ التي مروا بها…

كان همّي الثاني لملمة المستندات التي كانت في حوزتي بعدما بدأت دولة الوصاية بحجز ممتلكات وشركات “القوات”. كان الأستاذ أسعد أبي رعد وكيل الدكتور جعجع في القضايا الجزائية فيما كانت مهمتي القضايا الإدارية والتجارية. لذا ومع بدء المحاكمات أخذنا الوكالة عن الدكتور جعجع بواسطة الأستاذ أسعد.

في مرحلة المحاكمات إجتمعنا نحو 90 او 95 محاميًا وأسماؤنا كلها مدرجة بوكالات في مكتب النقيب عصام كرم المجاور لقصر العدل، ومع وصولنا الى البوابة التقينا مجموعة من الدرك بالاضافة الى عناصر الجيش والمخابرات والمكافحة فقال لي أحدهم همسًا “الله يقويكن وياخد بإيدكن”. ربما القصة اليوم لا تعني الكثير لكن في تلك الجلجلة التي كنا نمشيها، أن يقول لنا دركي هذا الكلام كان الأمر أشبه بنقطة ماء على شفاه رجل يمشي في الصحراء. أثبتنا بتلك التظاهرة أن الدكتور جعجع ليس متروكًا وأن وزن المحامين المدافعين عنه يؤخذ في الاعتبار، علمًا بأن عائلة الدكتور جعجع والقواتيين لم يقصرّوا أبدًا وملأوا القاعات والساحات المجاورة لقصر العدل.

بعد ذلك تركّز دوري مع مجموعة المحامين الضيقة، النقيب عصام كرم والدكتور إدمون نعيم والأستاذ موسى برنس، رحمة الله عليهما، والأستاذين إميل رحمه وطوني مارديني. كنا نجتمع في بيت الحكيم في يسوع الملك مع ستريدا قبل كل جلسة محاكمة للتنسيق في نقاط الدفوع والقرارت التي تتعلق بظروف سجن الحكيم وما إذا كان السجن شرعيًا وكل التفاصيل التي تتطلب تكتيكًا أخلاقيًا وإنسانيًا ومعنويًا إضافة الى التكتيك القانوني بالطبع. بعدها دخل الى المجموعة الوزير السابق الأستاذ إدمون رزق، وهنا بدأنا بالتحضير لمشروع قرار العفو الذي تطلب الكثير من الوقت والجهد. لا سيما محاولاتنا تجنب المطبات التي كانت تحضر لنا كلما أنجزنا الإقتراح وخصوصًا محاولة شمول العفو عصابات المخدرات. أي ذلّ يمكن أن نشعر به في مواجهة طرح كهذا؟ قضية بحجم الوطن يوازونها بقضية مخدرات للقبول بمشروعنا.

 

تابعت في هذه الأثناء عملي الحزبي القواتي في منطقة المتن واستفدت الى أبعد الحدود من الحصانة التي كنت أتمتع بها كمحام وعضو في مجلس نقابة المحامين، وعينت مسؤولين في المناطق من أنطلياس الى بكفيا والجديدة وبرج حمود … وكنا نعقد إجتماعاتنا علانية. بعدها خضنا إستحقاق الانتخابات البلدية وفزنا برئاسات بلديات عدة ونواب لرؤساء البلديات وأعضاء مجالس بلدية واحتفلنا. حتى أنني سعيت لترتيب لائحة توافقية في بلدة بولونيا التي أنا منها والحاجز السوري كان ما زال في ساحتها. في الإجتماع وقف أحدهم وهو تابع لأجهزة المخابرات وطرح نفسه كرئيس للتركيبة وقال لي “إنت مطرحك مش هون مطرحك حد معلمك”! فأجبته “شرف لي أن أكون الى جانب الدكتور جعجع لكن أنت متى صرت رجلا لتنطق بكلام كبير كهذا”؟ “دَبْكت” يومها في الإجتماع وساد هرج ومرج فتدخلت مجموعة تخص دولة الرئيس ميشال المرّ وكنا وقتها لم ننجز المصالحة مع دولته، وأمسَكت بـ “القبضاي” وأجبرته على الاعتذار مني. وهكذا نجحت التشكيلة التي هندستُها وفازت بالتزكية من دون “صاحبنا” المستفزّ”.

عن المرحلة الأقسى بعد الإعتقال يروي المحامي الزغريني: “بعد خروج فؤاد مالك من السجن صدرت بيانات صحافية عن جهات قيل إنها مسؤولة في “القوات اللبنانية” ترافقت مع إطلالات إعلامية إرتدت طابع التحدي وبرز فيها خلاف في المواقف والرؤية، كانت قد سبقتها إنقسامات حول موضوع المشاركة في الانتخابات النيابية، وبعد أن أسند كل طرف موقفه على حجة إعتبرها أساسية وجوهرية ومضمونة النجاح وفق آلية وضعها هو من دون أي تفاهم مشترك حولها، وبغياب القائد وعدم إلتزام الحلول الديمقراطية المبنية على روح وفاقية تراعي المصلحة العليا لـ “القوات”.

ويجب الا يغيب عن بال أحد أن السيدة ستريدا والمحامين كانوا يضعون الحكيم في أجواء البلد السياسية والأمنية والاقتصادية بكل تفاصيلها بأمانة وصدق، وفي المقابل كانت ملكة التحليل عنده في أسمى درجاتها فيرى بواطن الأمور التي تغيب عن متمرسين خارج السجن.

كان هناك طرحان. الأول يصرّ على وضع قضية الحكيم في يد غبطة البطريرك صفير والسير بالمواقف السياسية تحت سقف بكركي. والثاني يصرّ أن قضية الدكتور جعجع لا تنتظر الحوار الوطني والقرار اللبناني السوري حول مسألة إعادة انتشار الجيش السوري، بل تستدعي إعلان “القوات اللبنانية” عن التزامها الحقيقي بخيارات الدولة وإبداء جدية ملحوظة في التعاطي مع المؤسسات وفرط التنسيق مع القوى التي ترفع شعارات الحرية والسيادة والاستقلال ضد سلطة الوصاية. كما اعتبر أصحاب هذا الطرح أن تصورهم لا يتعارض مع مواقف البطريرك صفير طالما أن الثوابت التي أعلنتها بكركي هي في يد رئيس الجمهورية المؤتمن على الاستقلال والسيادة والحرية وهو يعمل على وضعها قيد المناقشة في مناخات وفاقية مؤاتية.

هنا برزت ردود صارمة على الطرح الثاني تركزت على:

  • عدم تقديم أي ضمانات مقابل خروج الدكتور جعجع من السجن.
  • التخوف من سلوك أجهزة الدولة سياسة “فرّق تسُد” وسحب البساط من تحت قدمي سيد بكركي والالتفاف على مواقفه.
  • التعجب من أسلوب الدولة التي تعتقل الدكتور جعجع في وزارة الدفاع وتفاوض أنصاره على حريته بدلًا من محاورته.
  • التشكيك بمصداقية السلطة واستغراب الإعلان في تلك الظروف أنها تتجه للإفراج عن الترخيص بحزب “القوات اللبنانية”.

وبعد جدل كبير جرت خلاله عملية تشكيك بما تنقله السيدة ستريدا عن الدكتور سمير جعجع من السجن، دعت ستريدا أعضاء من هيئة الانقاذ الى إجتماع في بيت الحكيم في يسوع الملك لوضعهم في الصورة فتم تكليفي من قبل سائر الموجودين بزيارة الحكيم والإطلاع عن كثب على توجيهاته علنا نجد في ذلك صيغة تكون مدخلا للتوحيد لا للتفرقة.

التقيت الحكيم بتاريخ 2/5/2001 لمدة 15 دقيقة ودونت كل كلمة قالها لي حرفيًا وأبرز ما ورد فيها: “تخلينا عن حرياتنا الشخصية لنحافظ على ثوابتنا وشخصيتنا التاريخية، أنا مستعد أن أنسى السنوات السبع في السجن وأنا على إستعداد أن أنسى أن أحدًا ما وضعني في السجن وكأنني في 20 نيسان 1994، لكنني أرفض أن أخضع لشروط من أجل حقي الطبيعي والمكتسب بالخروج من السجن… أنا معتقل بسبب قناعاتي ولأنني قائد “القوات اللبنانية” وليس بصفتي الشخصية ولو كنت أفتش عن موقع او منصب او راحة لما كنت قد ارتضيت الحبس.

“القوات” هي روح وثوابت ومبادئ لا تخضع للمساومة فمسارها التاريخي رسخته تضحيات الأجداد والآباء ولوّنته دماء الشهداء، فان احتمال اعادة النظر باي من تلك الثوابت يستلزم شروطًا موضوعية منها خروج من هم في السجن الى الحرية وعودة “القوات” الى ممارسة دورها  الطبيعي في الحياة السياسية ورجوع من هم في الخارج الى الوطن ليصار بعدئذ الى التشاور والتداول مع جميع الرفاق من خلال مؤتمر عام.

وعليه طالما أنا في السجن لا مجال لأي مفاوضة. بطلع من السجن عالبيت وهونيك بحكي. هون ما حدا يحكي معي بهالخصوص”.

يفتح هنا الأستاذ الزغريني قوسين ليقول: “لقد تلمّست يومها من كلام الدكتور جعجع منهجية عمل وسلوكية تهدفان بصورة مؤقتة ومرحلية الى نزع الفتيل من بين الرفاق وحصر مناقشة طرحيهما معه لئلا تزيد المواقف المتناقضة والمتصلبة في توسيع الشرخ بين المسؤولين في “القوات” فيقع الإنقسام. وفهمت أيضًا أنه في حال اتجهت القناعات نحو موقف موحد أيا كان هذا الموقف يلتقي الجميع تحت سقف منزله. أما في حال إختلفوا، والكلام للدكتور جعجع، “فليتركوا حزب “القوات اللبنانية” وليؤسسوا حزبًا جديدًا. حرام عليهم مضايقتنا لأن التفاهم على الشرّ أفضل من الخلاف على الخير”.

وختم الحكيم حديثه معي ينهي الأستاذ الزغريني “المهم أن توحدوا صفوفكم وتمنعوا الشرذمة… كرمالي.. امسحوها بدقني…” وهنا أدركت، يقول الزغريني، أكثر فأكثر كم نفتقد للشعلة التي لا تنسينا روح شهدائنا وسمو التضحية وبذل الذات والتفاني.

وعلى اثر هذه الرسالة الواضحة غير القابلة للتأويل التي وصلت الى كل من يعنيه الأمر، يقول الزغريني “خرج عدد من الرفاق من هيئة الإنقاذ ومن مسؤولي “القوات” من صفوفنا  التي أردناها متراصّة وشُكلت مرجعية تعمل الى جانب ستريدا تجتمع دوريًا ولدى الضرورة في بيت يسوع الملك حيث أراد الحكيم لمّ شمل “القوات” على رغم الظروف الأمنية الضاغطة”.

“بعد أخذ رأي الحكيم” عبارة رددّها الأستاذ سمير مرات عدة وهو يستعيد فصولًا من نضاله القواتي، ولا عجب فهو الذي إشتهر في حمل الرسائل من والى الحكيم وبتمنٍّ خاص من السيدة ستريدا جعجع لتكون توصية المارد السجين حرفية ومع رسول أمين لتقطع الشك باليقين، ولتشكل خارطة طريق لـ”القوات اللبنانية” في مسيرة المقاومة السلمية من السجن ومن خارجه نحو الحرية الحقيقية، ودائمًا تحت عباءة بكركي وبمباركة غبطة البطريرك مار نصرالله بطرس صفير.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل