
منذ ميثاق 1943 والمسلمون قبل المسيحيين مدركون ان لبنان الصيغة التعايشية لا يقوم الا بالمكون المسيحي. وقد رحم الله المستشار محمد شقير الذي قال يوما ان لبنان خلق للمسيحيين اولاً، فالشواهد على ذلك كثيرة لا مجال للغوص فيها. ومنذ ميثاق 1943 الذي ارسى قواعد صيغة الحكم للجمهورية اللبنانية وكلمة السر بين الزعيمين بشاره الخوري ورياض الصلح – لبنان لبناني لا للشرق ولا للغرب – والجميع يدرك ان لا مجال لاي شراكة ان بقي كل فريق لبناني تابعا للخارج او متأثرا بسياسات الجوار القريب او البعيد.
فاليوم، ومع العودة الى خطاب المشاركة والشراكة – وكلام امين عام “حزب الله” السيد حسن نصرالله في ذكرى حرب تموز 2006 – الذي تناول باصرار هذا المصطلح – يبرز السؤال الكبير: هل ما يدعو اليه امين عام “حزب الله” والنائب ميشال عون من شراكة ومشاركة في السلطة ينطوي على قناعة لديهما بمتطلبات هذه الشراكة؟
فالشراكة قبل اي شيء ليست اكراها – فكما لا اكراه بالدين لا اكراه في الشراكة – تلك الشراكة التي تفترض قبل كل شيء الاعتراف بالاخر وبحق الاخر في الوجود وبحق الاخر في خصوصياته – فاين فريق من اللبنانيين من هذا الاقرار وهو الذي يصف الاخرين بالداعشية والتطرف والارهاب؟
ثم ان الشراكة تنطوي على اقرار ذاتي من كل فريق بأنه لا يملك كامل الحقيقة وليس فيما يقوم به ويقوله صائبا على الدوام، اذ ان الشراكة هي التقاء انصاف حقائق مختلفة لتترجم الى قواسم مشتركة تقرب كل فريق من الاخر. فاين فريق من اللبنانيين من هذا المنطق وهو الذي لا يزال يستقوي بالخارج ويتبع الخارج وينفذ سياسات واجندات الخارج ويحاول فرض اولوياته الاقليمية والتحالفية خارج الحدود على اللبنانيين والدولة اللبنانية؟
من هذا المنطلق وبالعودة الى حقوق المسيحيين لا يمكن تصور اي حق للمسيحيين خارج اطر الدولة اللبنانية بدأ من مراكز السلطة في الدولة وفي طليعتها رئاسة الجمهورية – فبدل ان نبدأ بالبحث عن حقوق المسيحيين في وظائف الفئة الاولى – لماذا لا نبدأ من رأس الهرم المسيحي – فوجود رئيس مسيحي للجمهورية قمة الحقوق المسيحية او اقله قاعدة اساسية من قواعد استعادة الحقوق المسيحية؟
فلا يمكن تصور حقوق للمسيحيين خارج اطر الدولة والدستور، لأن لا ضمان للمسيحيين الا بالدولة وبمؤسساتها. ولذا تبدأ رحلة الالف ميل بانتخاب رئيس للجمهورية ومن ثم اقرار انشاء مجلس الشيوخ الذي يتولى ضبط حقوق الطوائف في السلطة وتمثيلها طائفيا ومذهبيا استنادا لوثيقة الطائف وللمادة ( 22) من الدستور بحيث يحرر مجلس النواب من القيد الطائفي ومن منطق توزيع المغانم الطائفية والمذهبية فينطلق عمله التشريعي والرقابي. وعندها ليفتح نقاش وطني لا بل يعقد مؤتمر وطني عام حول تعديلات في صيغة الحكم الحالية – يكون حكمها رئيس الجمهورية وضابط ايقاعها مجلس نيابي يشرع ويسير شؤون البلاد والمواطن ويراقب ويحاسب ويشارك في النقاش العام لتعديل الصيغة.
هل يستطيع المتشدقون بالذهاب الى مرحلة تأسيسية الآن ان يضمنوا للبنانيين نتائج التاسيس وسرعة التعديلات، فليتذكروا ان من اجل الوصول الى الطائف دفع لبنان واللبنانيون 25 سنة حرب وتدمير وتقاتل… فمن قال لهم ان المرحلة التأسيسية سهلة ومضمونة النتائج… فبالانتظار هل نبقي الوطن معلقا على خشبة الالام والاستنزاف بانتظار وحي التأسيسيين وكلمة سر العرابين الخارجيين؟
من هنا، فإن اعادة حقوق المسيحيين لا بد من ان تمر بخريطة طريق اساسها اعادة الالتزام بمنطق المؤسسات – كما جاء في ورقة التفاهم بين حزب “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر”. فمنطق المؤسسات يقضي بأن نعود الى الدستور اي الى تحصيل الحق الاول للمسيحيين بالحفاظ على رئاسة الجمهورية وانتخاب رئيس مسيحي، ومن ثم وانطلاقا من هذه الخطوة تليها الخطوات الاصلاحية والدستورية تحت سقف الدستور والنظام …
فحقوق المسيحيين تولد من الشراكة والشراكة لا تبنى على التخوين والترهيب والصاق تهم الداعشية والارهاب على فريق لبناني اخر – بل على اقرار كل فريق بهواجسه واحترام كل فريق لهواجس الاخر وتفهمها والعمل على ايجاد القواسم المشتركة لا الامعان في ابراز الخلافات والاختلافات على نحو تجييشي وتصعيدي…
في لحظة تاريخية تتهدد كل منطقتنا بالتقسيم … على عاتقنا كلبنانيين واجب الحفاظ على وحدتنا والتوقف عن خوض معارك وهمية مع خصوم وهميين… لبنان بحاجة الينا جميعنا… الى حوارنا البناء… الى احترامنا لبعضنا… والى العودة الى اولويات الدولة والدستور، فبسقوط الدولة والمؤسسات وانهيار النظام الدستوري تسقط كل حقوق المسيحيين لا بل كل حقوق اللبنانيين جميعهم.
