لم يكن منتظَراً من السيّد حسن نصرالله ألاّ يكرّر ردحه بـ”الانتصار الإلهي” قبل 9 سنوات، وألاّ يبحث عن عنوان جديد يَعِد به “مجدَّدا” أتباعه من وادي الحجير إلى وديان سوريّا وبطاحها.
فـ”الانتصار” هو العنوان المستدام، في وضعه وحالته ووظيفته و”تكليفه الشرعي”، وأيّ اعتراف بما دون الانتصار هزيمة، والهزيمة ليست في قاموس وكلاء المهدي وظلّه الوليّ الفقيه، ومِن ورائهما الله!
غير أنّ الجديد وراء هذه اللازمة لدى نصرالله هو إشراك الموقِّع معه على ورقة “التفاهم”، النائب ميشال عون، في هذا الانتصار، بعدما مهّد لـ”المكرمة” بتحميل العنوان لهذا الأخير تحت اسم “الخطّ الرابح”.
لم تكن صدفة أو زلّة لسان حين أعلن عون قبل أيّام أنّه “على الخطّ الرابح”، فالإشارة أتته جاهزة، واضحة، حاسمة، عشيّة وصول وزير خارجيّة “الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة” محمّد ظريف إلى بيروت، وفي حساب “حزب الله” وشريكه أنّه رسول الميتروبول المنتصر، والحامل أختام العالم بالاتفاق النووي، والوصيّ الجديد، غير المنازَع، على لبنان.
لا شكّ في أنّ للحليفَين، نصرالله وعون، أكثر من سبب وحجّة للاعتقاد بأنّهما على “الخطّ الرابح” ومتّجهان إلى “النصر الإقليمي” المؤزّر. ودائماً على قاعدة تحويل الانكسار إلى انتصار، وعلى خلفيّة “حرب تمّوز” نفسها. وليس اختيار وادي الحجير للاحتفال سوى للبحث عن شعار جديد، واختصار الحرب مع نتائجها الكارثيّة بعبارة “مقبرة الدبّابات”.
ولكنّ هذه المقبرة تحوّلت إلى واحة سلام مع “العدو الإسرائيلي”، ولا يختلف إثنان حول مدى ارتياح إسرائيل على حدودها الشماليّة التي باتت حالة جولانيّة هادئة، ولا يجد أيّ مراقب في هذا الارتياح سوى نتيجة أرادتها تل أبيب وحقّقتها، فعن أيّ انتصار يتحدّثون؟
ليست هناك حال هدوء وتسالم وثقة بين “عدوّين” كما هي الآن بين إيران – “حزب الله” من جهة، وإسرائيل من جهة ثانية. فإذا كان “الانتصار” هو بهذا المعنى، فسوريّا منتصرة منذ 42 عاماً، وكذلك مصر منذ اتفاق “كمب ديفد”. وكم هي رخيصة دماء عشرات الآلاف في الجولان وجنوب لبنان!
أمّا لجهة “النصر الإقليمي” و”الخطّ الرابح”، فلا يعلم أيّ متابع على أيّ أسس وثوابت ووقائع يُقيم هؤلاء حسابهم. على انتصارهم في اليمن مثلاً؟ أو في سوريّا والعراق؟ أَم في لبنان حيث تجري الرياح بما لا تشتهي سفنهم؟
إذا كانوا يحسبون تعطيلهم الدولة وشلّهم المؤسّسات وتسييبهم حقوق الناس وحاجاتهم، انتصاراً، فإنّهم حكماً جزء من الخاسرين، يمارسون لعبة شمشونيّة قاتلة، ويقطعون الغصن الذي يستندون إليه. وهذا هو الانتحار بعينه. والمنتحر غير منتصر.
لا يقدّم التاريخ أيّ نموذج لمنتصر منتقم أو منتحر. المنتصرون يحبّون الحياة، وهم دائماً إيجابيّون تحت الحكمة المعروفة: العفو عند المقدرة. وحده المأزوم مهزوم. فهل هناك في لبنان مأزومون أكثر من “حزب الله” وتيّار عون؟
الأوّل لا يعرف كيف ينجو بنفسه من المحرقة السوريّة، ومن الجنازات التي لا تنتهي. ويبحث في بيروت عمّا يخفّف من لهيبه، سواء عبر حوار شكلي هنا، أو تسويات وتمرير قرارات هناك تصبّ في مصلحة الآخرين.
والثاني علّق نفسه في أعلى شجرة الأزمة ولا يعرف كيف ينزل عنها، أو من يستطيع إنزاله. تبرّع، عن إدراك أو عدمه، بخوض حرب بديلة عن “حزب الله” مع “تيّار المستقبل” وعبره مع السنّة. ولم يترك وصمة طائفيّة إلاّ واستخدمها، وشعارات مخجلة ومخزية إلاّ ورفعها.
فهل يكون هكذا “على الخطّ الرابح”، ويعد نفسه وأنصاره المخدوعين بـ”النصر مجدّدا”؟
ما يقومان به لا يشي إلاّ باقتراب الهزيمة وليس النصر. ولم يَعُد شعار الجلوس على ضفّة النهر والتفرّج على عبور جثث الأزمة افتراضيّاً أو خياليّاً.
بعد مرور تسع سنوات ونصف على “ورقة التفاهم”، وتسع على حرب تمّوز، وأربع على ورطة “حزب الله” في سوريّا، يتعب الباحث في العثور على فتات انتصار، أو شبه نجاح على الأقلّ، اللهمّ سوى التعطيل وسدّ منافذ الحياة أمام اللبنانيّين. فالعرقلة وسيلة الضعفاء وليس الأقوياء.
ما بين الربح الفعلي والربح الوهمي فارق شاسع. الأوّل انتصار والثاني هزيمة.
وما بين وادي الحجير والرابيه الكثير من الخيبة والندم. ومقبرة أحلام.