كتبت سيبال رزوق في “المسيرة” – العدد 1450:
إيلي الشّندي من مواليد وسكان برج حمود، بدأ منذ سن السادسة عشرة بالتدريب العسكري وبعد سنتين شارك في معركته الأولى. خاض إيلي مرحلة الحرب من يومها الأول. مرّ بتجارب صعبة خسر فيها رجله وإصبعين من يديه لكنه لم يتذمر يومًا. كان يشكر ربه على نعمة الحياة وما أن يسترد عافيته حتى يتوجه فورًا الى معارك القتال مرة أخرى.
كانت برج حمود تكتظ بالفلسطنيين الذين كانوا يراقبون تحركات سكان المنطقة ويفرضون سيطرتهم في الأحياء والأزقة الضيقة. الجيرة بين إيلي والفلسطنيين فرضت عليه بناء معرفة شخصية معهم وفي كل مرة كان يتأخر فيها عن منزله حتى ساعات الليل المتأخرة كان عليه الإجابة على مضايقات كل من هيثم أوعباس أو ابراهيم حين يسألونه “أين كنت يا إيلي طوال الليل؟ لماذا تأخرت في العودة الى منزلك”؟ أما إيلي ابن الستة عشر عامًا فكان يعطي حجة لغيابه بانشغاله في النشاطات التي يقوم بها فوج الكشافة التابع لمدرسة العناية في الدورة التي كان تلميذاً فيها.
في الواقع كان إيلي منذ العام 1973 يتسلل ليلاً ونهارًا الى النادي الرياضي في شارع الأرز التابع لحزب “الكتائب” حيث كانت تقام تدريبات عسكرية واجتماعات حزبية بالإضافة الى التدريب على استخدام الأسلحة الخفيفة. عندما يتذكر إيلي تلك المرحلة يقول: “مشاركتي في التدريب كانت مخاطرة كبيرة إذ أن منطقتي كانت محتلة من قبل “جيش التحرير الفلسطيني” ومجموعات “فتح” و”الصاعقة” وأنا متأكد من أنهم لو علموا حينها بما نفعله في الخفاء لكانوا قتلوا كل عائلتي”!

كان الوضع الفلسطيني قد خرج عن السيطرة وكانت المخيمات الفلسطنية تتمدد نحو المناطق اللبنانية من دون أي خطوط فاصلة، وبدأ الوجود الفلسطيني المسلح يهدد استقلال لبنان فبدأت التحضيرات للمواجهة. كان الدفاع عن الوجود المسيحي الحافز الأول الذي دفع إيلي للمشاركة في الحرب.
بدأ إيلي القتال مع بدء معارك الحرب الأولى في العام 1975 وكانت الأحداث حينها تنقسم الى جولات متقطعة. خلال الجولات كان إيلي ينشغل بالقتال، أما في أوقات الهدنة التي كانت تمتد ما بين شهرين أو أكثر فكان يذهب الى منطقة الحمرا ليتعلم مصلحة “مزيّن شعر” للنساء ويعود وينسحب عندما يتلقى النداء بضرورة العودة الى القتال.
بعد أن تحررت منطقة برج حمود في العام 1976 عادت المعارك بين المقاومة المسيحية والسوريين في العام 1978. استطاع السوريون في مرحلة أولى احتلال جسر الكرنتينا والجسر الداخلي وقطعوا الطريق المؤدية الى المتن. كان إيلي قد تغيب عن أهله لفترة تجاوزت الشهر بسبب إغلاق الجسر كذلك لم يتمكن رفاقه أيضًا من التوجه الى مناطقهم في سد البوشرية وسن الفيل وبرج حمود. كان على المجموعة المؤلفة من سبعة رجال الوصول الى حل ليتوجهوا الى بيوتهم من دون التعرض لخطر المواجهة مع السوريين. وجد إيلي أن الحل الوحيد أمامهم كان التسلل الى مجرى النهر خلال الليل للوصول الى الجهة الأخرى من الطريق. توجه إيلي الى شركة الكهرباء. صادر سلمًا طويلاً من الناطور وتوجه مع رفاقه الى النهر. بعد أن وضعوا السلم على حافة النهر نزلوا الى قعره واحدًا تلو الآخر ثم اجتازوا مياه النهر وعادوا وتسلقوا السلم الذي وضعوه عند الطرف الآخر من النهر. بعد هذه المغامرة الطويلة وصل إيلي الى منطقة برج حمود وأمضى أسبوعًا مع أهله. أما طريق العودة فكانت أسهل إذ توجه من جونية عبر طراد بحري الى المجلس.

كانت مسؤولية الثكنة التي ينتمي إليها إيلي تمتد من موقع “الفورد” حتى جسر فؤاد شهاب في منطقة الصخرة أما متاريس “الكتائب” فتتمركز على القبرصلي ودائرة التحري في ساحة البرج. كان الجيش السوري قد خرق ساحة البرج عبر احتلاله لمبنى الأحدب المتواجدة في الأسواق والتمركز فيه. طول المبنى كان يسهل استهدافهم عدة مناطق خصوصًا منطقة الجميزة، كما أنهم حفروا أنفاقاً ليتسللوا الى الأماكن المجاورة.
صدر قرار من قيادة “القوات اللبنانية” في المجلس الحربي بالقضاء على ذلك المبنى وكانت الطريقة الأنسب للسيطرة عليه بأقل خسائر بشرية ممكنة، عبر التسبب بإحراقه لكي يخرج السوريون منه. تم استقدام سيارتي إطفاء من المجلس الحربي وتمت تعبئتهما بالبنزين والمازوت وقد تسلل في منتصف الليل شاب قصير القامة كان ملقب بالـ”سمبك” الى المبنى ومدّ الخرطوم الى داخله وثبته بأكياس رمل وبعد أن فتح الخرطوم بدأ بضخ المواد القابلة للاشتعال. هنا جاء دور إيلي ورفيقه أندريه الطبال بتصويب قذائف الـ”ب-7″ الى مكان الخرطوم. بعد القذيفة الرابعة اندلع الحريق في المبنى وبدأ الجنود السوريون بالقفز الى الأبنية المجاورة فوقع بينهم عدد من القتلى، ثم جاء بعدها أمر من القيادة السورية بالانسحاب من ذلك الموقع.
في ساحة الدباس كان السوريون قد تمركزوا ووضعوا متاريسهم وكانوا يسعون دومًا الى شق طرقات وبناء حفر وأنفاق لتسهيل تقدمهم وحماية أنفسهم. في إحدى الليالي التي كانت فيها الجبهة هادئة على غير عادة خرقت الصمت أصوات تكسير وتهديم فتوجه طوني النخلة لعند إيلي عند الساعة الرابعة فجرًا وأيقظه قائلاً: “أسمع أصوات تكسير وهدم حيطان في موقع يبدو أنه قريب منا”. علمًا أن السوريين كانوا قد تسللوا قبل يوم وفجّروا أحد المتاريس. استنفر إيلي وقام وحمل سلاحه وجعبته وتوجه مع رفيقه الى مسرح شوشو المجاور لإلقاء نظرة الى الخارج وتحديد الموقع الذي تصدر منه الأصوات. مسرح شوشو كان مزروعًا بألغام وضعها مقاتلو “القوات” كفخ لمن يحاول الاقتراب الى مواقعهم وكان إيلي مدركاً لهذا الأمر فقام بتفكيك سبعة ألغام ليتمكن من التجوّل في الموقع لكنه قال لطوني “بعد ناقص لغم” فأجابه طوني “كلا” نافيًا وجود أي لغم اّخر فعاد إيلي وأكد لرفيقه وجود ثمانية ألغام وراح يفكر ويوزع نظره على أرض المسرح من دون جدوى غير مدرك أن لغز اللغم الثامن يختبئ تحت قدمه التي ما أن تحركت حتى انفجر. يقول إيلي: “عندما انفجر اللغم لم أشعر بأي وجع حتى أنني سألت طوني إذا كان أصابه أي مكروه. في تلك الأثناء كان السوريون قد تنبهوا لوجودنا في ذلك الموقع على أثر صوت الانفجار وبدأوا بإطلاق النار في اتجاهنا حيث صعد الدخان من جراء الانفجار، فما عدنا خائفين من حقل الألغام وبات همنا الأول الاحتماء من الرصاص الكثيف الذي كان يستهدفنا. اختبأ إيلي ورفيقه وراء الجدران وامتدت معركة تبادل النيران بينهم وبين الطرف السوري لمدة نصف ساعة، نقل بعدها إيلي الى مستشفى الروم. رجل إيلي التي كانت تدوس على اللغم بترت على الفور واضطر بعد فترة أن يضع طرفاً اصطناعيًا وخضع بعدها للعلاج الفيزيائي ليتعلم المشي من جديد تمامًا كطفل صغير على حد قوله.

بعد أربعة أشهر فقط عاد ايلي للمشاركة في المعارك مرة أخرى، حتى أنه كان يطل على رفاقه في المجلس الحربي كل فترة قبل أن يتمكن من المشي مجددًا. كان لأصابع إيلي أيضًا نصيب في التشوّه، إذ خسر إصبعين من يده بعد أن أصيبت بشظايا رصاصات كانت تستهدفه خلال وجوده في متراس خلال إحدى المعارك.
عندما أصدر حزب “القوات اللبنانية” قرارًا بتوحيد البندقية بين الأحزاب المسيحية خيّر الشباب المقاتلين بين الموافقة على الانضمام لهذا المشروع أو الانسحاب. وكان إيلي أول الذين التحقوا. وبعد انتهاء مرحلة الحرب تخطى إيلي إصابته فعمل سائق تاكسي وأكمل حياته الاجتماعية على الرغم من تعرضه لمضايقات وضغوطات كثيرة بعد حل حزب “القوات” واعتقال الدكتور سمير جعجع، حتى أن أولاده الشباب أيضًا تم توقيفهم بتهمة المشاركة في اجتماعات حزبية لـ”القوات اللبنانية”.

وعلى الرغم من كل التجارب المرة التي عاشها إيلي ما زال ثابتاً على التزامه وانتمائه الى “القوات اللبنانية” التي أمضى معظم أيام شبابه مناضلاً في صفوفها.
* لأن القضية على مساحة الـ10452، تنقّل أبناؤها من جبهة الى أخرى مرة لصد عدوان ومرّة لتأخير إنهيار ومرة لتسجيل بطولات وطرد غزاة. فكان الرفاق يزرعون البطولة والعنفوان في كل شبر تطأه أقدامهم، وإمتزج عرق المناضلين ودماء الشهداء من الشمال الى الجنوب والجبل والبقاع وبيروت. وكتحية وفاء لهم، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “كنا هناك” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.