
ورقةٌ نقدية كانت كافية لرسم الضحكة على وجهه… أخذها وبعينيين تفيضان فرحاً تأمّلها… ويداه السمراتان من شدة الشمس ووساخة الشارع تمسكان الورقة بشدة ربما خاف من ان أغيّر رأيي وأستردها… عيناه البنيتان الغجريتان غرقتا بالورقة النقدية الخضراء… فربما كان يفكّر ويقول: هل صحيحٌ ما تراه عيناي؟ هذه الورقة كلها لي؟…
كانت ورقة بقيمة 1000 ليك… أخذها وبسرعة حاول أن يضعها في جيبه قبل أن يراها أحد رفاق الشارع، الذين ينتظرون مثله القطع النقدية من المارة، ويأخذها منه هو الأصغر بينهم فابن الخمسة أعوام لا يتحلّى بالقوة الجسدية التي يتحلّى بها رفيقه ابن العاشرة…
مشيتُ قليلاً واذ بيدٍ خفيفةٍ تلمس يدي بخجلٍ كأن صاحبها يريد أن يقول لي “أنظري أنا هنا… لا أريد أن أزعجك… أكملي نزهتكِ السياحية في ساحة كورشي الألبانية بهدوء… ولكن اعلمي أني هنا بالقرب منك”… التفت الى يميني فاذ بالطفل صاحب العينيين الغجريتين يمشي بالقرب مني كأنه ظلّي… ففتحتُ محفظتي لأعطيه المال من جديد… وضع يده على المحفظة ملوحاً لي بأنه لا يريد المال… وبدأ يتكلم معي بصوت مبحوح وخجول… حاولت أن أفهم لغته لكنني لم أستطع فطلبت من صديقتي الألبانية أن تفسّر لي… فاستعاد كلماته الرقيقة وكانت: “انا لا أريد المزيد من المال… فقط أريد أن أمشي بالقرب منكِ، أنتِ جميلة”…
تفاجأت وسكتتُ كأنني كنت أنتظر المزيد من الكلمات لكن صوت صديقتي اختفى… فاغرورقت عيناي بالدمع… غمرته وقبلته… أردت أن أقول له: “هل تعرف يا سيدي الصغير أنك أنت من أعطيتني الفرح الحقيقي؟ سيدي الصغير… أنا آسفة لأنك وأمثالك من الأطفال المشردين يسكنون الطرقات في بلدي وفي بلدان العالم أجمع… أنا آسفة لطفولتك البريئة التي تعيشها مع وسخ الشارع… أنا آسفة وآسفة وآسفة… شكراً لك على شرف مشاركتي لحظات طفولتك البشعة… شكراً لأنك منحتني لحظات ثمينة مليئة بالسعادة في حياتي… هل يجب أن أشكر تلك الورقة الخضراء لأنها جعلت كلانا سعيداً؟؟…
أردت أن أقول له ذلك لكنني لم أستطع… فاكتفيتُ بغمرةٍ بريئةٍ حنونةٍ والتقتُ صورةً معه للذكرى…
