
عندما يتعلّق الأمر بمتلازمة القولون العصبي (IBS)، فإنّ الحركة المنتظمة، والامتناع عن تناول بعض الأطعمة، ومضغ الأكل جيّداً، وشرب المياه بانتظام، والحصول على الوجبات في أوقات مُحدّدة ومُنتظمة، تُعتبَر من أبرز الوسائل المُهدِّئة لهذا الاضطراب المُزعج، ولكنّها ليست الوحيدة! فقد توَصّلَ العلماء منذ أعوام عدّة إلى نظام غذائي فعّال جدّاً في مُداواة القولون العصبي، وبات يُعتمد عليه في أهمّ العيادات الغذائية، فما هو؟
«بدءاً من اليوم، يجب على كلّ شخص يشكو من متلازمة القولون العصبي (IBS)، أن يُعطي أولوية للنظام الغذائي القليل الـ«FODMAP»، أي الـ«Fermentable Oligo-Di-Monosaccharides and Polyols» الذي يُشير إلى مجموعة جزيئات، خصوصاً السكّريات، تَبَيَّن أنّ استهلاكها يُعَدّ المُذنبَ الرئيسي لأعراض هذا الاضطراب»، اختصاصية التغذية ناتالي جابرايان شرحَت لـ«الجمهورية» أنّ «نظام الـ«FODMAP» يرتكز على 5 أنواع سكّرية رئيسية تشمل اللاكتوز (الحليب ومشتقاته)، والبوليول (سكاكر وعلكة)، والفروكتوز (فاكهة)، والفروكتان (منتجات القمح)، والغلوكان (الحبوب)، التي لا تملك بالضرورة مذاقاً حلواً، تتخمّر من قِبل البكتيريا الموجودة في الأمعاء.
بمعنى آخر، يمتصّ الجسم هذه المواد جزئياً خلال عملية الهضم، وبناءً على ذلك، عندما تصل إلى القولون من المرجّح أن تستهلكها البكتيريا الموجودة هناك وتخَمّرَها.
ونتيجةً لذلك تظهر مجموعة أعراض مرتبطة بالقولون العصبي كالنفخة والغازات والآلام المعوية والإسهال أو الإمساك أو حتّى التناوب بينهما»، لافتةً إلى أنّ «هذه المواد أصبحَت موجودة في معظم الحميات الحديثة، خصوصاً شراب الذرة العالي الفروكتوز المُستخدَم بكثرة في المنتجات لحفظها».
العوامل المُحفِّزة لهذا الاضطراب

وتابعَت جابرايان حديثَها: «بيَّنَت دراسات عدّة أنّ خفض هذه السكّريات يؤدّي إلى تخفيف أعراض القولون العصبي، وكذلك اضطراب وظائف الجهاز الهضمي والنفخة، وبذلك، يُعتبَر النظام الغذائي المُنخفض الـ«FODMAP» اليوم الحلّ الأوّل لمعالجة هذه المشاكل.
إستناداً إلى «Mayo Clinic»، مِن غير المعروف بعد الأسباب الرئيسية لمتلازمة القولون العصبي، لكن توجَد عوامل عدّة قد تؤدّي دوراً في هذا المجال لعلّ أبرزَها:
تتألّف الأمعاء من العضلات التي تنكمش وتسترخي لتحريك الأكل الموجود في المصران. لكن عندما تتعرّض هذه العمليّة للخلل، يؤدّي ذلك إلى عرقلة الحركة الطبيعية للأكل فيبقى لوقتٍ أطول ويتخمّر وتكثر الغازات.
ضعف الأمعاء وعجزها عن العمل بطريقة جيّدة.
إرسال إشارات خاطئة من الدماغ إلى الأمعاء.
التركيز على المواد المرتفعة الـ»FODMAP»، وتناوُل بعض الأطعمة المسبِّبة للنفخة كالقرنبيط والملفوف والحليب والصودا وأحياناً الكحول».
وشَدّدت على أنّ «التوَتّر يؤثّر سلبياً في الجهاز الهضمي، ولكنّه ليس المُسبِّب المباشر لمتلازمة القولون العصبي كما هو شائع إنّما هو مِن أعراض هذه المشكلة».
حذف بعض الأطعمة

وكشفَت إختصاصية التغذية أنّه «إستناداً إلى «Journal of Gastroenterology and Hepatology» عام 2012، تبيَّن أنّ استخدام غذاء قليل الـ«FODMAP» هو فعّال في خفض الأعراض لدى نحو ¾ مرضى متلازمة القولون العصبي.
ويَعتمد ذلك بشكل رئيسي على إزالة بعض الأطعمة: فإذا كان المريض يعاني متلازمة القولون العصبي، نحذف له مأكولات غنيّة بالـ«FODMAP» من نظامه الغذائي لنحو شهرين ثمّ يُعاد إدخال مادة تِلوَ الأخرى لمراقبة تفاعلات جسمِه على كلّ واحدة بمفردها لرصد المشكلة التي يَشكو منها تحديداً». وشدّدَت على أنّه «ليس المطلوب بالضرورة حذف الحليب ومشتقّاته، إنّما يحصل ذلك فقط في حال معاناة المريض حساسيّة اللاكتوز».
إشراف الخبراء
وعلى رغم أنّ الباحثين يَعتبرون الغذاء القليل الـ«FODMAP» تطوّراً كبيراً لمرضى القولون العصبي، الذي يتسبّب بأعراض مُزعجة جداً يمكن أن تدمّر جدّياً نوعية حياتهم وحتّى تمنعهم من القيام بنشاطاتهم اليومية، إلّا أنّهم وجدوه مقيّداً جداً.
فلمعرفة أيّ أطعمة هي المعنيّة يجب الاطّلاع على السكّريات التي تحتويها والتي لا توَفّر بالضرورة مذاقاً حلواً. لذلك يجب على المرضى أيضاً الحَذر من بعض الأطعمة كالحبوب (قمح، شعير، جاودار)، بعض الخضار (الأرضي شوكي، الفطر) أو حتّى مشتقّات الحليب، واتّباع هذا الغذاء بعناية فائقة لضمان نتائج فعّالة.
من جهتها، اعتبرَت ناتالي جابرايان أنّ «مشكلة الـ«FODMAP» تعود إلى ارتفاع خطر تعرّض المريض لنقص في الألياف أو الفيتامينات والمعادن أو حتّى عدم معرفة لائحة الأطعمة التي يجب تفاديها. لذلك من المهمّ أن يستعين بخبيرة تغذية لمساعدته على التمييز بين المأكولات القليلة والمرتفعة الـ«FODMAP»، وطريقة قراءة المواد واختيار أفضل المنتجات».
وأضافت أنّه «لا غنى عن متابعة هذا النمط من قِبَل الأطبّاء، ليس فقط لمعرفة التمييز بين الأطعمة وتفادي أيّ نقص في أهمّ العناصر الضرورية للجسم، إنّما أيضاً نظراً إلى أعراض مِعويّة مُزعجة قد تستمرّ لأكثر من بضعة أسابيع.
لذلك من المهمّ جداً استشارة طبيب عام لتوجيه المريض إلى اختصاصيّ في أمراض الجهاز الهضمي إذا لزمَ الأمر، للتخلّص مِن كلّ الأسباب الأخرى المُحتملة، مثل الاضطرابات الالتهابية كمرض الكرون، وعدم القدرة على هضم اللاكتوز، وداء السيلياك وصولاً إلى سرطان القولون والمستقيم».
وخِتاماً أكّدت أنّه «على رغم كلّ هذه المصاعب، يملك هذا النظام هدفاً علاجيّاً من شأنه تحسين حالات مرضى متلازمة القولون العصبي»، ودعَت إلى الاطّلاع جيّداً على أبرز المواد الغنيّة بالـ»FODMAP» والبدائل الملائمة التي يمكن الحصول عليها».