#adsense

… ولم أرَ بيروت!

حجم الخط

 

حاولت في كل تلك المشهدية أن أرى ما عشته ذاك الـ 14 آذار ولم أرَ. كنت أريد ذلك وبقوة لأن الاهداف المعلنة لتحرك المتظاهرين في حركة “طلعت ريحتكن”، أهداف كبيرة وسامية بالأساس، فالتظاهر السلمي أقوى الرسائل الشعبية باتجاه الحكّام والانظمة ولا سلاح مهما علا أو تجبّر هو أقوى منها، لم أر ذاك السلاح كما حلمت واشتهيت ولا زلت.

رأيت بيروت مغمّسة بالفوضى، رأيت ست الدنيا تتحوّل الى غانية بين أيدي رعاع دخلوا عنوة على المشهدية الديمقراطية، ليشلّعوا بيروت ويتناتشوا على ثوبها الحرير المقصّب بالحلا وليجعلوها سبيّة بين أياديهم الملوّثة بعار الحقد واللانتماء والغوغائية والعهر، لا أجد كلمة أقل ترطيباً أو حتى تهذيباً من تلك، العهر، أو لعلني لا أريد، فقد حوّل وطاويط الليل وسراياه وجنوده المقنعون والمكشوفون، التحرّك المطلبي المحق الى نعيق الفوضى، جعلوا من المتظاهرين الحقيقيين وقودا للشارع، الشارع أخطر لعبة ديمقراطية أدخلها الفراعنة الى منظومة الاحتجاج من خلال الاضراب ليصبح أيقونة للأحرار، ولم أر أحراراً كما كنت أريد… وأتوقع.

لم أر بيروت باللون الأحمر والأبيض ترفرف بالحرية وتطالب بصوت واحد “لا للاحتلال، حرية سيادة استقلال” وينن؟ وين صارت أصواتن؟ وين صارت أصواتنا؟ أين صوت المتظاهرين من كل ذاك الشغب المفتعل المدروس المخطط له مذ لحظة نزولهم الى شارع رياض الصلح وساحة الشهداء لاحقاً؟ كيف لم يتنبّه المتظاهرون المنظمون أساساً الى أولئك المندسّين؟!

لم أر بيروت في كل ما رأيت عبر شاشات التلفزيون، كنت أريد المشاركة، رفع الصوت معهم ليس لازالة النفايات من الشوارع وحسب، إنما لمحاسبة نفايات السياسة الذين ينهشون بأجسادنا كأسد جائع حين تقع أنيابه على نعجة ضالة. ولما سمعت ورأيت ما رأيته غيّرت اتجاهاتي.

لا أريد اسقاط الحكومة ولا اقتحام السرايا، ولماذا أساساً تُقتحم السرايا؟ ماذا في الداخل ما لم يشأ المقتحمون الاحتلال تمهيداً لشيء آخر أعظم وأخطر؟!

لا أريد استقالة الرئيس تمام سلام لاني بحاجة ماسة لوجوده الان، أريد رئيساً للجمهورية. لذا لا اريد اسقاط الحكومة ولا مجلس نواب مع كل خرابهما الآني. فلتنظّم انتخابات رئيس للبلاد ومن بعدها فليرحلا الى الجحيم اذ لا يليق بهما أقل من ذلك.

كنت أريد رفع الصوت المحقّ بوجه الفساد المدوي فيهما لانذارهما للمرة الاخيرة، ولم أكن أشتهي أبداً أن أرى “متظاهرين” بين مزدوجين وهم ليسوا كذلك، يتعدّون على القوى الامنية ليجبروها على الرد حماية للمباني الحكومية ولنفسها وأيضا للمتظاهرين أنفسهم.

بحثت عن بيروت الحرّة النقية الجميلة بغضبها وصوتها العالي صوب سماء الحق ولم أرها. حجبت الرؤيا تلك الطيور السوداء الملوّحة بالنعيق، كان الاشتباك قوياً الى درجة الضباب المطلق، اشتباك الصوت الذي من المفروض أن يؤدي الى الحقيقة، مع الايادي المتطاولة على دمع الناس وقهر الناس وحرقتهم وشرفهم وكبريائهم وعطشهم الى الكرامة، الى وطن يحضنهم ولا يذلّهم بأكياس قمامة وصفقات التجار المنافقين المجرمين المدعوين زورا “مسؤولون”، واذ بالهمجية المبرمجة تخنق كل ذلك، فخرجت بيروت من يومها الطويل مذللة بالخيبة، تتقاذفها الاتهامات، متسخّة الثوب تفوح منها رائحة المخرّبين والدجالين ومن يحرّكهم في عتمة الليالي، وسياسيين حاولوا استغلال المشهد لابراز “التعاطف” الكاذب، وان كانوا لقوا ما يليق بهم من عبارات القدح والذم .والاهانة،

خرجت بيروت من شارعها تعتمر الخيبة، تحاكي حالها تحاسب قلبها “لم أكن اتوقع ذلك كنت أريد المشهد الجامع، الصوت الهادف، التظاهرة التي هزّت يوماً عرش الاحتلال فاخرجته، هذا ما كنت احلم به وجعلتم مني أضحكومة الكرامة أنشودة للعبث مشروعا للاستباحة”.

سقطت بيروت بأيادي الرعاع بينما انكفأ أبناؤها الحقيقيون الغاضبون المحبّون الثائرون، الى المزيد من التفكير وربما التخطيط لمرحلة مقبلة أكثر وعياً وانضباطاً، وانكفأت بيروت الى كأسها تشرب من خمرة الناس المقهورين فعلاً، الخائفين عمراً، المنضويين تحت حبها قلباً وعقلاً ومقاومة…

لا تزعلي بيروت، ما زالت الايام تنده علينا لنقع في حب نضالك، وتبقين رغم كل ذلك ست الدنيا، ست النضال، سيدة المقاومة لأجل لبنانك وليس لأجل أي وطن أو زعيم أو سيد أو رئيس أو أي أحد آخر  سواكِ.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل