#adsense

لماذا سيفشل الاتفاق النووي الايراني؟

حجم الخط

كل من يراجع تصريحات المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي، سيستنتج حتماً أن المرشد الأعلى يدرك تماماً عيوب الاتفاق وتداعياته الكارثية.

يبدو واضحاً أن خامنئي غير راضٍ عن الصيغة الحالية للاتفاق، وإلا ما هو السبب لقوله مراراً وتكراراً عبارة “لن نتخلى عن مبادئ الثورة سواء تمت الموافقة على النص المُصاغ أم لا.

جميع المسؤولين والخبراء، ومن دون استثناء، يعترفون بأن هناك أجزاء من اتفاق فيينا ومن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2231″” غير متوافقة مع مبادئ الثورة والنظام وركائزهما، بل تشكل خطراً عليهما أيضاً، وإذا ما طُبقت، فقد تكون كارثية.

السياسي الإيراني حسين شريعتمداري يعتبر أن بعض المسؤولين قد ينادون بوجوب تبنّي الاتفاق على الرغم من هذا “الاعتراف” لأنهم يعتقدون أن “حق التحفظ” سيشكل حلاً. ولتفسير هذه النقطة، دخل في مناقشة تقنية حول اتفاقية فيينا لعام 1969 بشأن “قانون المعاهدات”، التي تمنح الدول حق التعبير رسمياً عن تحفظاتها بشأن اتفاق هي في صدد الموافقة عليه. ولكنه أوضح أن هذا البند لا ينطبق على الاتفاق النووي لأنه يمكن فقط التعبير عن التحفظات في الاتفاقيات متعددة الأطراف، بينما تشكل “خطة العمل المشتركة الشاملة” اتفاقية ثنائية بين إيران وطرف واحد آخر هو دول “مجموعة الـ 5+1”. وبغض النظر عما إن كان محقاً أم لا، فقد استخدم هذه الحجة لكي يخلص إلى وجود طريقتين فقط للتعامل مع اتفاق فيينا: “إما تبنيه بالكامل أو رفضه بالكامل. وليس هناك طريقة أخرى يمكن تصورها”. وفي رأيه، يكمن الحل الأمثل بالاعتراض على “خطة العمل المشتركة الشاملة” ورفضها بالكامل.

شريعتمداري ليس أحد المتشددين العاديين فحسب، بل اعتُبر على مدى عقدين تقريباً الناطق باسم خامنئي، والشخص الذي يكشف عن الانطباعات الحقيقية للمرشد الأعلى عندما لا يرغب الأخير بالتحدث علناً عن رأيه لأسباب سياسية أو غيرها.

ففي حالات عدة، عندما كان المتشددون يواجهون صعوبة في معرفة رأي المرشد الأعلى حول مسألة معينة، كانوا يقرأون بدقة تصريحات شريعتمداري، ولاسيما افتتاحياته في صحيفة “كيهان”، التي يديرها خامنئي. وأصبح شريعتمداري الناطق غير الرسمي باسم المرشد الأعلى، كما تعتبر كتاباته بمثابة دليل عملي للمتشددين في مؤسسات عدة ، بما فيها “مجلس الشورى”.

المسؤول حميد رضا مقدم فر انتقد تصريحات شريعتمداري وسمعته كناطق باسم خامنئي، متسائلاً: “كيف يمكن لأخ لنا في الثورة، أن يصر على الإيحاء لقرائه بأن خامنئي يعتقد مثلي، ويحلل مثلي، ويفهم مثلي؟… يجب أن تعبر عن آرائك الشخصية على الأكثر وأن لا تتحدث نيابة عن المرشد الأعلى”.

وعلى الرغم من الانتقادات، لم ينفِ خامنئي أو شركاؤه ادعاءات شريعتمداري التي نشرها في 15 آب. بالإضافة إلى ذلك، فإن الخطاب الذي ألقاه خامنئي بعد يومين عزز بشدة الانطباع بأن كتابات شريعتمداري لا تعبر فقط عن الآراء الشخصية للمحرر. فعلى غرار التصريحات السابقة، سلّط الخطاب هذه المرة الضوء على فتور المرشد الأعلى تجاه اتفاق، ليس واضحاً بعد ما إذا كان سيتم تبنيه أو رفضه في إيران كما في الولايات المتحدة، فقال:

“لم تعد أميريكا تتمتع بالمصداقية ذاتها في المنطقة، وهي تريد استعادة مصداقيتها. هذا ما ينوون فعله في بلادنا أيضاً. كان لديهم مثل هذا الوهم، وخلال المفاوضات النووية كانوا ينوون إيجاد وسيلة للتغلغل في البلاد. لكننا قطعنا هذا الطريق أمامهم… لن نسمح بتغلغلهم الاقتصادي في إيران، ولا بنفوذهم السياسي، ولا بوجودهم السياسي ولا بتأثيرهم الثقافي. سنتصدى لهم بكل الوسائل ولن نسمح بذلك”.

وتابع قائلاً: “تتناقض سياساتنا في المنطقة مع السياسات الأميركية، فنحن ندافع عن المقاومة في المنطقة، ندافع عن المقاومة الفلسطينية، ندعم كل من يحارب إسرائيل ويقضي على النظام الصهيوني ويدافع عن المقاومة. ندعم كل من يواجه النظام الصهيوني بكل ما أوتينا من قوة ودعم”، مكرراً أن إيران ستقدم أي نوع من المساعدة الممكنة لـ “الشعب المضطهد” في البحرين واليمن. وتابع: “في ثقافتنا السياسية، نتداول عبارة نظام الهيمنة، التي تعني أن العالم منقسم بين القوى المهيمِنة والكيانات الخاضعة. ومن يقود القوى المهيمِنة هو العدو. وإذا ما أردنا معرفة من هو هذا العدو، فهو نظام الولايات المتحدة الأميركية الذي يجسد نظام الهيمنة بامتياز”.

ما زالت الإجراءات القانونية الإيرانية للموافقة على الاتفاق النووي غير واضحة. فالمرشد الأعلى يرفض الإعلان بصراحة، ليس فقط عن رأيه الشخصي تجاه الاتفاق، بل أيضاً عن المؤسسة التي يجدر بها اتخاذ القرار الرسمي بالموافقة على الاتفاق أو رفضه. هذا الغموض المتعمد يسمح للمتشددين بالضغط على روحاني لإحالة الاتفاق كمشروع قانون.

يفضل الرئيس الإيراني حسن روحاني بأن يكون “المجلس الأعلى للأمن القومي” هو الذي يصوت على القرار. ولا تنبع هذه الرغبة من خوفه من رفض “المجلس” للاتفاق فحسب، بل من علمه أيضاً بأن قرار “المجلس الأعلى للأمن القومي” لن يدخل حيز التنفيذ إلا بعد موافقة المرشد الأعلى رسمياً عليه، وهذا يعني أنه سيتوجب على خامنئي اتخاذ موقف واضح من الاتفاق.

في المقابل، لن يتعين على خامنئي اتخاذ موقف تجاه مشروع قرار يُعرض على “المجلس”، فهو غالباً ما يملي قراراته على البرلمان من وراء الكواليس ومن دون الكشف عن دوره علناً. وإذا استطاع المرشد الأعلى الحفاظ على موقفه “الغامض” على المدى الطويل، فإن ذلك سيفسح في المجال إنتقاد الاتفاق وحتى الانسحاب منه، وهذا ما حدث تماماً للاتفاقين النوويين عامي 2003 و2004. وروحاني على وعي تام بتلك التجربة لأنه كان كبير المفاوضين النوويين في ذلك الوقت.

المجموعة الأولى من المسؤوليات المنصوص عليها في الاتفاق تقع على عاتق إيران، وقبل أي شيء، ينبغي على إيران تنفيذ “المتطلبات الأساسية” المفروضة عليها بموجب الاتفاق، بما فيها التجاوب مع “الوكالة الدولية للطاقة الذرية” حول مسألة “الأبعاد العسكرية المحتملة”، وتجميد عمل الآلاف من أجهزة الطرد المركزي، وتقليص مخزونها الهائل من اليورانيوم منخفض التخصيب إلى 300 كيلوغرام، وإزالة صلب “مفاعل آراك” لإنتاج مادة البلوتونيوم. ويعتقد معظم الخبراء أن هذه العملية ستستغرق ما بين ستة إلى تسعة أشهر. وعندما تتأكد “الوكالة الدولية للطاقة الذرية” بأن إيران قد وفت بهذه المتطلبات، يصبح تخفيف العقوبات الأميركية والدولية المفروضة على إيران خياراً قائماً.

التحليل موضع تكهنات ومبالغة. فقد افترض مؤيدو الاتفاق أن نجاح التصويت بالرفض سيبطل الاتفاق، واعتبروا أن إيران ستفقد الثقة في التزام الولايات المتحدة بالاتفاق، فتنسحب، وتكثف برنامج التخصيب ليبلغ مستويات جديدة، وأن الأوروبيين سيشْكون من السلوك الأميركي الموارب ويضعون حداً للعقوبات من تلقاء ذاتهم. كما يشير مؤيدو الاتفاق إلى أنه في غياب القيود المتفق عليها حول البرنامج النووي الإيراني، ستستدعي إيران عاجلاً أم آجلاً، تحركاً عسكرياً أميركياً أو إسرائيلياً ضدها، مما قد يطلق العنان لحرب إقليمية!

من غير المرجح أن ترد إيران بصورة متهورة على قرار الكونغرس المعارض للاتفاق بقيامها بتخصيب اليورانيوم وبالتالي تأكيد شكوك الجهات التي لم تثق يوماً بالتزام طهران بامتلاك برنامج نووي سلمي بصورة حصرية. فبعد أن عملت طهران باجتهاد طيلة عقدين من الزمن لتطوير برنامج يوشك اليوم على اكتساب شرعية دولية مذهلة ولإنهاء العقوبات المرتبطة ببرنامجها النووي، فإنه من غير المنطقي أن تتخلّص من جميع هذه الإنجازات بنوبة غضب. وعلى العكس من ذلك، يرجح بقوة أن تفي إيران بالمتطلبات الأساسية لكي تُنهي الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي العقوبات المفروضة عليها، الأمر الذي سيترافق مع مصادقة الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

قد يفضي هذا السيناريو إلى نتيجة غامضة، إذ ان نظام العقوبات العالمي سيكون أقل فعالية مما هو عليه اليوم لكنه سيترك مع ذلك أثراً ملحوظاً. ولن يتداعى، إلا إذا فشلت الولايات المتحدة في إنفاذ عقوباتها. وبالرغم من ذلك، فإنه من الصعب تخيل سيناريو يكون فيه خطر الحرب أكبر بكثير مما هو عليه اليوم.

المصادر:

(1)حسين شريعتمداري صحيفة “كيهان” العدد الصادر في 24 آب 2015 افتتاحية بعنوان “الخيار الوحيد”

(2) مقدم فر في مقاله الذي صدر في 25 آب على الموقع الإلكتروني لوكالة “تسنيم”

خبر عاجل