
نشهد منذ أسابيع عدة، حرقاً يومياً للنفايات في الهواء الطلق تزامن مع أزمة تكدّس النفايات على جوانب الطّرقات مّا أدّى إلى تشويه بيئتنا بصورةٍ لم نعهدها يوماً، “لبنان الأخضر”، “بيروت ستّ الدنيا”، “بوابة الشرق والغرب”، “همزة الوصل”… كُلّها صفاتٌ نُزعت من لبناننا، سُرِقَ المفتاح وأوصِدت البوّابة وبِتنا كأننا سجناء معزولين في سجن حجمُه بحجم الوطن.
واليوم تُرتَكَبُ جريمةٌ بحقِّ شعبنا بكامله!
جريمةٌ شَنعاء بحقّ أطفالنا، جريمةٌ حتى بحق من لم يولدوا بعد من خلال خطرِ التشوّهات الجنينيّة بسبب إغراق البلد بالنفايات وعمليّةُ الحرق المستمرّة.
وللذكرِ، فالحرق في الهواء الطلق ممنوعٌ عالميًا وله قوانينه، فهو جريمة يجب أن يعاقبُ من يقترفها ومن يسمح بذلك بحسب قانون العقوبات الجنائي، إذ إنّ السموم والغازات المنبعثة خطيرة جدًّا ويمكنها التسبب بأمراضٍ مختلفةٍ منها الخطيرة والمزمنة كما أنّ بعضها قادرٌ على التسبب بحالات وفاة،ٍ أليس هذا يسمّى “إيذاء عمديًّا” ؟؟؟
نصرخ وما من مستجيب!!!
الموضوع متشعّب، ولاحتوائه لا بدّ من تجزئته إلى شقّ الأمراض الجرثومية وشقُّ تأثير حرق النفايات على الصحّة.
إنّ تكدُّس النفايات قد يؤدّي إلى أمراض جرثومية من خلال تخمُّر المواد العضويّة خاصة مع إرتفاع درجات الحرارة ممّا يسبّب تكاثر الجراثيم وحدوث إلتهابات جرثومية في العينين، الجهاز التّنفسي، الدم، الجلد، والأمعاء … كذلك ومن خلال سدّ مجاري المياه يمكن للنفايات أن تؤدّي إلى خلق مستنقعات وهي البيئة الحاضنة للحشرات والقوارض والتي تساهم في نشر الأمراض وتشكّل خطرًا داهمًا من حدوث أوبئة.
لكنّ الشق الخطير والآنيّ الذي بدأت تظهر عوارضه على الناس، إنما هو الناتج عن حرق النفايات في الهواء الطلق ممّا يسبّب إنبعاث المواد السّامة والغازات كـ (الديوكسين، الفوران، كلوريد الهيدروجين، سيانيد الهيدروجين، اكسيد الكربون، البنزين، غاز الستيرين، ومركبّات طيارة، والمعادن الثقيلة من رصاص وكدميموم وزرنيخ …) فنتنشّقها مع كلّ نفسٍ، كذلك يمكن للرماد المتطاير حمل هذه المواد السامّة آلاف الكيلوميترات قبل أن تستقرّ على التربة والنبات والمياه وتؤدّي إلى تلوّث ثلاثيّ للبيئة وإلى دخول هذه السّموم في سلسلتنا الغذائية.
إنّ هذه المواد السامّة ذات أضرار صحيّة أكيدة ومثبتة علميًا تتسبّب بعوارض مختلفة، وبعضها يُستعملُ في ارتكاب الجرائم الفرديّة !!! وها هي الآن تُستعملُ في جريمةٍ جماعيّة بحق لبنان وشعبه…
أمّا العوارض فتختلف من عوارض آنيّة وعوارض على المدى البعيد، وعوارض المدى القصير تتلخّص باحمرار العينين، وحساسية الجلد، إلى الدوار، الإعياء، اللعيان القيىء السّعال، الإسهال، فقر الدّم، فقدان التوازن، إنخفاض مستوى الخصوبة، وحالات الإغماء إلخ… وعند المرضى الذين يعانون من أمراض تنفسيّة أو قلبيّة مزمنة فقد تتفاقم عوارضهم ونوباتهم وقد تؤدّي بعض هذه السموم إلى حالات وفاة.
أمّا أعراض المدى البعيد فلا بدّ من أن ندرك أنّ تعرُّضنا لكميّات قليلة حتى من السموم يمكنها التسبّب بأمراض مزمنة: تنفسيّة، سرطانيّة وأمراض الكبد والكليتين والجهاز العصبيّ الخ… وذلك بعد عشرة إلى عشرين سنة… وكلّما زادت فترة تعرّضنا لهذه المواد كلّما زادت الأخطار والأمراض.
كذلك لهذه السموم تأثير خطير على الأولاد من فقر دم، إلى توقّف في النمو وانخفاض حاصل الذكاء (IQ)، نضيفها إلى ما سبق.
إنّ منظّمة حماية البيئة الأميريكية قد حذّرت مؤخرًا في (16 حزيران 2015) من حرق النفايات في الهواء الطلق وتأثيرات السموم الناتجة عن ذلك على الصحة والبيئة …
أوقفوا هذه الجريمة النكراء بحق البيئة والإنسان والطفولة !
أوقفوا هذا الإنتهاك الجديد لحق الإنسان بالصحّة والهواء النظيف، والذي نضيفه لمجموعة الإنتهاكات التي رفعتها مؤخرًا شبكة منظمات المجتمع المدني إلى الأمم المتحدة.
بيئتكم وهواءُكم هي صُحّتكم …
د. باسكال أبو سليمان – اخصائية في الأمراض الداخلية والطب الشرعي والطب التجميلي غير الجراحي –
أمينة صندوق جمعية الطب الداخلي.
