“بالشمع الأحمر” هو تعبير عن قرار يصدر عن السلطة القضائية لختم ما هو ممنوع فتحه. أما اللون الأحمر فيرمز الى خطورة ما ينسحب عليه ذلك القرار، كما جرت العادة في الرسائل بين القادة والحاكمين في الأزمنة الغابرة، أو على مستوى الأماكن التي حصلت فيها أحداث تمسَ بالقانون والسلامة وأمن الناس والدولة في وقتنا الحالي. أما ما هو مطلوب ختمه بالشمع الأحمر في متن هذا الكلام، فهو الأفواه التي اذا ما نطقت فأنَها تنطق كفراً، وما أكثرها في هذا الزمن الموبوء بها، ولا سيما منها غالبية الحاكمين والزعماء.
إنَ صورة الوضع الراهن والواضحة المعالم هي صورة قاتمة المحتوى عن الواقع السياسي الذي يتخبَط فيه البلد، هذا الواقع المأزوم الذي ألحق ضرراً جسيماً بصورة لبنان الحضارية وبوضعيه الأقتصادي والسياحي على حدَ سواء. ويتحفنا المفوَهون من اصحاب الشأن في كل يوم بما يضاعف من منسوب الأزمة، حتى أنهم لا يتورَعون بتصريحاتهم، عن وضع البلد على فوَهة بركان أو شفير هاوية سحيقة، وهم المسؤولون عن إيصاله الى هذا الدَّرك.
هذا التلهَي العقيم بالكلام يصبَ في خانة العدوان الصارخ على حق الناس بالعيش الآمن والسليم وبالأمل بالمستقبل. وللأسف لم يكن يجد من يضع له حداً ليضع بالتالي حداً للأذيَة العارمة التي تنتج عنه. وهذا بالذات ما دفع بالمسؤولين المفوَهين – هذه الجثث المتنقَلة – الى المزيد من السفاهة والأسفاف والإنتهازية الرخيصة.
إنّ الكابوس الذي يقضَ المضاجع يطرح ألف سؤال حول مستقبل الأرض والشعب. والأبرز في هذه الأسئلة ما يتعلَق بمدى السماح لهؤلاء الفاسدين بالمضي في المقامرة على مصيرالناس، وكيف ينبغي الأسراع في ألخلاص من هذه العلَة التي تزيد ورم الوطن ورماً.
إنَ الوطن بشعبه لا يرغب في أن يصبح أضحوكة ، من هنا قرّر أن يميط اللثام عن وجهه المصفرّ بالحذر، ويتعاطى مع من يتجرَأ عليه بالقتل والتلويث واللصوصية، استناداً الى أحكام القوانين والحقوق. لذلك يرفض الشعب أن تكون الدولة هي ايضاً واحدة من ميليشيات الفلتان، تنهج الخط الميليشوي المعهود في التعامل مع الوقائع المفروضة في غالبها، فتتوسَل الترهيب والأعتداء والأنتهاك غير المبرَر. كما يذكَر الدولة بأن كرامتها منتهكة من جانب الدويلة التي تنهشها وتغيّبها بفائض القوة غير المشروعة والمعتدية على السيادة والقرار. والمُذهل أن الدولة تسمح للمعتدين عليها بالعودة الى قواعدهم سالمين، مُظهِرةً ملامح التخاذل.
من حق المواطنين الذين يؤمنون بأن كرامتهم من كرامة وطنهم، أن يشعروا بالأهانة، وأن يعتبروا ما يجري وضعاً شاذاً غير مقبول، وأن يطالبوا بالتزام المسؤولين – كل المسؤولين – بما أقسموا عليه من أعراف وعهود تجاه الناس، وألا يسمحوا باستشهاد الدولة على مذبح منتهكيها والمقوَضين لأركانها وهيبتها.
والأغرب على الأطلاق حين نستمع الى الأركان من نواب الأمَة والوزراء المؤتمنين على صيانة الدولة، وهم يلعنون دولتهم ويكيلون لها الشتائم والتهم، ويصفونها بما فيها وليس فيها، ويتعرَضون لرموزها وصولاً الى التهديد، ويحرَضون عليها الناس بالعصيان. أوليس حريَا بهؤلاء، إذا كانوا منسجمين فعلا مع مواقفهم النارية، أن يبادروا فوراً الى الأستقالة من مناصبهم كي لا ينعتهم الوطن بالمنافقين المتلاعبين بمشاعر الناس وعقولهم، والذين يمارسون الأزدواجية المعيبة حفاظاً على امتيازاتهم ومصالحهم؟
إنَ الشعب المُعاني عليه أن يسارع الى ختم هذه الأفواه التي ترشح سمَا بالشمع الأحمر المعزَز الذي يستحيل فكَه، ليستريح الى الأبد من الترَهات والموبقات ونفايات العقول.