“أين الخطأ؟ تصحيح مفاهيم ونظرة تجديد”، عنوان كبير لأبرز كتب المفكّر اللبناني العربي الحداثي عبدالله العلايلي، أستعيره بتصرّف واعتذار هنا، محاولاً إسقاط شيء من طليعيّته ورؤيويّته على واقعنا المأزوم والدائر على نفسه في حلقة مفرغة.
السلطة السياسيّة عندنا في أزمة، رئاسةً وحكومةً ومجلساً ومؤسّسات، والبعض يقول النظام في أزمة.
الأحزاب في أزمة، بين طائفيّتها وانغلاقها وآليات توريثها واحتباس ديمقراطيّتها.
المرجعيّات الروحيّة في أزمة، بين صراعاتها البينيّة وعجزها عن تخطيط مسار إنقاذي للوطن والناس.
المجتمع المدني وتشكيلاته في أزمة، بين سلامة النيّات والمقاصد وفوضى جداول الأهداف وخروق الاستغلال والتوظيف.
والأخلاق السياسيّة في أزمة، بين خطاب النعرات والشعارات المبتذلة والتحريض المذهبي والجهوي والمناطقي والمصالحي الضيّق.
وقد بلغت هذه الأزمات المتداخلة ذروتها في الآونة الأخيرة، واتضح تلاطمها وتصادمها بين مجلس الوزراء وساحات التظاهر والأحزاب، وداخل المجلس والساحات والأحزاب: مشهد سوريالي من التناقضات والخبط العشوائي، لا يُطلّ على مخرج ولا يَعِد بحلول.
ولأنّ الدُوار السياسي والوطني بلغ حالة صعبة، ويكاد يتحوّل إلى نوع من دوران الدراويش في الفراغ المطلق، يتوجّب على الذين ما زالوا خارج هذا الدوار، وما زالت رؤوسهم باردة نسبيّاً، أن يسْعَوا إلى فرز الخطأ عن الصواب في كلّ ما يجري، ويعملوا على تصويب البوصلة في الاتجاه الصحيح.
والاتجاه الصحيح ليس وجهة نظر، وليس للخلاص والانقاذ ألف طريق، وليست الحلول حفلة تنظير ومناقشات سياسيّة لا تنتهي.
الشارع يتحرّك، والناس تريد حلاًّ لألف مشكلة ومشكلة. فمن أين نبدأ وما هي خريطة الطريق؟
ما عايناه من مطالب وشعارات وأهداف في اعتصامات بيروت والمناطق، كلّه صحيح ومشروع، ولكن ليس كلّه ممكناً، والسياسة فنّ الممكن لا المستحيل. والمطلوب هو النزول عن سلّم الأوهام إلى أرض الواقع.
فلا إسقاط الحكومة هو الحلّ، ولا إسقاط النظام شعار واقعي يستبطن نظاماً بديلاً واضح المعالم، ولا سَوْق ما يسمّى ب”الطبقة السياسيّة” بعصا واحدة طرح ناضج.
فإذا سقطت الحكومة، إلى من يتوجّه المتظاهرون؟ إلى مجلس النوّاب؟ حسناً. وإذا سقط مجلس النوّاب، وهو ساقط عمليّاً، فإلى أين يتّجهون، وماذا بعد ذلك؟ إلى انتخابات نيابيّة؟ وفق أيّ قانون ومن يضعه ومن ينفّذه؟
المطالبون بإجراء انتخابات نيابيّة الآن وقبل انتخاب رئيس للجمهوريّة، أو انتخابه من الشعب، لا يدرون ماذا يفعلون. ليس أمامهم إذذاك وأمام لبنان سوى حال فوضى عارمة، فهل هذا ما يطمحون إليه على قاعدة “الثورات البالية” القائلة بأنّ أيّ بناء بعد الفوضى والفراغ، ولو كان متداعياً ومتخلّفاً، أمر جيّد؟
هذه الحال جرّبتها العقائد الستالينيّة الموميائيّة، وعرفنا نتائجها المدمّرة. واليوم تحاول بقايا هذه العقائد وفلولها أن تركب موجة الغضب الشعبي لتعيد التاريخ الأسود “كمهزلة” هذه المرّة. وقد رأيناها تتسلّل برموزها المتحجّرة، بين المعتصمين، لتصطاد في المياه العكرة.
والأشدّ سوءًا وخطراً أن يركب حزب ديني مذهبي عسكري حديدي موجة التظاهر النقي ويأخذها بسلاح “أيّاره وقمصانه” إلى ما هو نقيض أيّ مجتمع مدني وأيّ حريّة وإصلاح وتجديد وتغيير.
المسألة هي هنا، منع هولاء وأولئك من استثمار الحراك الشعبي المدني، وحسناً فعل البعض الواعي من قياداته في منع الأحزاب من تحويل الأهداف واصطيادها، وكانت الثمرة الأولى نبذ مشاركة عون، فانكفأ إلى بطانته.
وليس من باب التوظيف السياسي أن ندعو هؤلاء إلى ترشيد عناوين حراكهم وتصويبها نحو وضع الانتخاب الفوري لرئيس الجمهورية كأولويّة في أهدافهم، لأنّه يشكّل الممرّ الإلزامي للحلول التي ينشدون. وما سوى ذلك تضييع للجهود وتسييبها أمام الانقلابيّين المتربّصين بلبنان واللبنانيّين شرّاً.
ولا نبالغ إذا نصحناهم باستلهام روح الحراك التاريخي النموذجي الناجح الذي جرى قبل 10 سنوات ونصف في ساحة الحريّة التي يعودون إليها اليوم. ويجب ألاّ يخجلوا بالنسج على منواله، لأنّه كان رائداً في مدنيّته وسلميّته وحضاريّته، وفي عبوره الطوائف والأحزاب والمناطق، وحقّق نجاحاً مميّزاً في تحقيق أهدافه الوطنيّة النبيلة، وخصوصاً تحرير لبنان من النظام السوري وتكريس المصالحة الوطنيّة وفتح باب العدالة.
وليس خافياً أنّ عدداً كبيراً من ناشطي الحراك الراهن كانوا في ساحات 14 آذار ومن صنّاع وهجها. وإذا خيّبت الأخطاء والتراخيات آمالهم، فهم يُعيدون صياغة هذه الآمال ولو تحت أسماء وعناوين جديدة. إنّ فيهم الكثير من روحها وثقافتها ووسائلها.
بعض الوعي والتبصّر مطلوب لإعادة ترتيب الأولويّات قبل أن يبتلعها المتربّصون.
والمهم تحديد “أين الخطأ”.. لبلوغ الصواب.