لا نعسوا… ولا بينعسوا الحراس

منذ مئات السنين، وبالتحديد منذ 2015 سنة، كُتِبَ على كُل مَن إختار السير على الطريق الذي رسمه مخلصنا يسوع المسيح، أن يكون مشروع شهيد في سبيل إيمانه القوي الذي يدفعه دائماً لإختيار طريق والحق والحياة.

منذ اليوم الأول بعد قيامة المسيح من الموت، والإستشهاد يلازم المسيحيين أينما وُجدوا. أول الشهداء كان التلاميذ الذين عاشوا مع يسوع وشهدوا صلبه وموته، وألأهم، قيامته، التي شكّلت نقطة التحول الكبيرة في مسار حياة التلاميذ ومهّدت لإنطلاق المسيحية.

هذا المسار حوّل توما الشكاك بالقيامة، وبطرس الناكر للمسيح وهو على طريق الجلجلة، والبقية المرعوبة الخائفة المختبئة في العلية… حولهم الى مبشرين ورُعاة حقيقين لا يهابون الموت، وقد إستُشهدوا جميعاً بأساليب شنيعة من دون أن يتردد أحد منهم أو ينكر سيده، ولعل إستشهاد القديس بطرس الذي طلب من جلّاديه أن يصلبوه رأساً على عقب (أي بالمقلوب)، لأنه لا يستأهل أن يُصلب كما صُلب سيده ومخلصه وإلهنا يسوع المسيح، خير دليل حسّي على حقيقة ما حدث وما كتبوا عنه في أناجيلهم وما آمنوا به حتى الموت.

سلوك التلاميذ هذا والعجائب التي كانوا يصنعوها، إضافة الى الشهود الآخرين الذين عايشوا المسيح، دفع الآلاف من اليهود والوثنيين لإعتناق المسيحية، بالرغم من علمهم المُسبق أنهم سيكونون فريسة للأسود الجائعة التي كانت تلتهمهم بكل شراهة، وهم يسيرون نحوها مُرنمين فرحين، مُدركين أنهم قريباً سيكونون مع الله في ملكوته.

هذه القوة الهائلة من الإيمان حتى الإستشهاد، حولت الإمبراطورية الرومانية الى دولة مسيحية على يد إمبراطورها قسطنطين الأول الذي دعا إلى عقد أول مجمع مسكوني في العالم في نيقية عام 325، بعد أن قضى مئات آلاف المسيحيين على أيدي حكام تلك الإمبراطورية.

وهكذا إستمر الإضطهاد يلاحق المسيحيين حتى يومنا هذا، خصوصاً في هذا الشرق الذي عانى من فتوحات وإمبراطوريات مُختلفة، وكلها كانت تضطهد المسيحيين وتعاملهم بأبشع وأخسس الطرق.

ذاك الإضطهاد الهمجي والرهيب بحق المسيحيين، دفعهم لإنشاء مقاومات للدفاع عن أنفسهم وأرضهم ووجودهم، بعدما شهدوا على إبادات لشعوب وثقافات بأكملها. ولعل أهم مقاومة أبصرت النور، هي التي أنشأها البطريرك القديس يوحنا مارون في جبال لبنان والتي ما زالت مستمرة حتى اليوم.

هذه المقاومة التي تجلت في تاريخنا الحديث تحت إسم القوات اللبنانية، كانت هي الأساس في الدفاع عن الكيان اللبناني والوجود المسيحي فيه، في وجه كل أشكال التتر والمغول ومنغوليي ومُعاقي العصر الحديث، ودفعت آلاف الشهداء الذين ضحوا بأغلى ما لديهم للحفاظ على تراثنا وإرثنا وحريتنا التي تشكل علّة وجودنا.

وفي ظلّ كل النظريات عن الحرب اللبنانية ومحاولات طمس حقيقة أسبابها ووقائعها، يبقى حقيقة ثابتة لا يمكن لأي طاغية أو عميل أو خائن أن يُغيرها، حقيقة أن هذا اللبنان الذي نعيش فيه، وكيف نعيش فيه، بالرغم من كل الثغرات والتجاوزات والهيمنات والسعي الى تقليص وجودنا، لم يكن ليكون لولا هؤلاء الأبطال الذين إستشهدوا وهم واقفون كالرماح يدافعون عن إيمانهم وتاريخ أسلافهم في وجه كل الاشرار والمرتزقة، ولم يهابوا الموت على طريق مَن هو الطريق والحق والحياة.

عهد منَا لكم يا رفاقنا، أن نبقى كما كنا معاً، ندافع عن طريقة عيشنا ووجودنا الحُر في وجه كل الوحوش الكاسرة التي تتربص بنا، وعندما تأتي الساعة، لن نموت إلا واقفين ورأسنا مرفوع للأعالي، وسنبقى حرّاس هذه الأرض على الأرض، وكلنا ثقة أنكم أنتم حرّاسها من السماء… وأبواب الجحيم لن تقوى علينا.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل