#adsense

تعود يا أيلول…

حجم الخط

ما من شيء يزيد صعوبة عن محاولتنا تجسيد المقاومة حروفاً، تلك التّي جسّدت ملاحمها بدماء حرّاس القضيّة وفرسانها.

ما من أمانة أثقل من تلك التّي ينقلها إلينا شهيد، وما من رسالة أعمق من تلك التي نرسلها ترانيم عابقة برائحة بخور قنّوبين إلى أولئك الرفاق الّذين يجاورون الربّ… رسالة تضرب أعماق التاريخ والجغرافيا، رسالةٌ جعلناها الأقنوم الرابع في قانون إيماننا، رسالةٌ معمّدةٌ بالدم والتضحيات، رسالة كُتِبَت على أجسادنا بضربات جلّادٍ قاتلة، رسالةٌ عنوانها الوفاء، رسالة نرفعها إليهم على أجنحة طيور أيلول المهاجرة.

أيلول، في عمر الزمان أنت ثلاثون من الأيّام، أيّام تختصر دهوراً في عمر القضيّة، قضيّة انتقلت إلينا منذ بدء التاريخ، قاوم لأجلها الأجداد والآباء، كهنةٌ، رهبانٌ وقدّيسين، بطاركةٌ يرقدون في حنايا إيليج وقنوبين ورفاق غدر الزمان بهم فكانوا لغدره بالمرصاد يوم وقف بشيرٌ يدقّ النفير معلناً بداية أسطورة المقاومة في زمننا الحديث.

أيلول، لك في صدور الأمهات صرخة وفي قلوب الآباء تنهيدةٌ وفي أعين الزوجات والإخوة دمعة، وفي براءة الأطفال ألف سؤالٍ وفي وجدان الرفاق عهدٌ، عهدٌ بأننّا على الوعد، عهدٌ بأننا ساهرون، عهدٌ بأننا على خطاهم سائرون…

حرّاسٌ في السلم نحن كما كانوا حرّاساً على جبهات الحروب، حرّاس الجمهوريّة نحن كما كانوا حرّاس الوطن، حرّاسٌ نمنع انهيار الدولة نحن كما كانوا هم حرّاساً يوم أسقطت الدولة تحت نير المؤامرات، حرّاسٌ الأمس و اليوم و غداً ويوم تأتينا تلك التجربة من جديد ويدقّ الخطر على الأبواب سنكون كما هم، للمقاومة أبداً جاهزون وكما كانوا هم طلائع القافلة سنكون خلفهم للشهادة قوافل قوافل.

أيلول، في البال أنت والوجدان وضمير القضيّة، موعدٌ لتجديد النذور وتثبيت الوفاء لمن عمّد القضيّة بدماءٍ لم تفرّق بين محتلً وآخر وبين تجار الأرض والعرض على اختلاف تلاوينهم.

تعود يا أيلول اليوم وبعض من كان في صفوفنا يعيد تجربة يهوذا، فباعوا القضيّة والرفاق بأبخس الأثمان، وأضحوا كالغربان تنعق فوق الأغصان اليابسة ويأتوننا أنبياءَ دجّالين يلوّثون شرف العقيدة، ويحوّرون عمق الإيمان ويحاولون كسر صلابة الالتزام. ينظرون إلى قلب المقاومة في معراب نظرة السارق الّذي يتحيّن الفرصة للانقضاض على ضحيّـته و هم يجهلون أنّنا جيلُ آلاف الحرّاس الّذين لا ينعسون وأنّ هذه الأشبال من تلك الأسود.

تعود يا أيلول في زمن سقط فيه بشير رئيساً منتخباً للجمهوريّة آتياً من متاريس الصمود إلى سدّة الرئاسة، ليأتينا سكان دهاليز يخيَّل إليهم أنّهم في موقع المرشد والموجّه ليعطّلوا انتخاب رئيس للجمهوريّة.

تعود يا أيلول في زمن أصبحت فيه المصالح العائليّة تختصر حقوق شعب و كرامة وطن.

تعود يا أيلول و”القوّات اللبنانيّة” هي هي، على العهد والوعد. تعود يا أيلول والقوّاتيّون يقفون حرّاساً على جبهات النضال كما كانوا.

تعود يا أيلول وقاعدتنا والقيادة تقفان الكتف على الكتف في مواجهة مشاريع الشموليّة والتبعيّة.

تعود يا أيلول وعلى رأس المقاومة قائدٌ مقدامٌ وحكيم يقود السفينة في غمار التجارب العصيبة.

تعود يا أيلول ونحن باقون في المرصاد لمنع الانهيار الكامل للمؤسّسات.

تعود يا أيلول لتجدنا أوفياء في زمن قلّة الوفاء، لتجدنا حرّاساً لا ننعس يوم يسعى البعض لإبقاء حدودنا سائبة و أرضنا مستباحة.

تعود يا أيلول في زمن يخيفنا البعض من “داعش” و ممارستها في جبل سنجار وهم غير مدركون أنّ دواعش العصور تكسّرت على صخور إيماننا في جبال لبنان. تعود يا أيلول و القضيّة هي هي قضيّة وجود و صمود و حريّة.

تعود يا أيلول و في عيوننا أمل، و في جعبتنا خطط وخرائط لمعارك الأمس نرسم بها طريق الغد والمستقبل.

تعود يا أيلول لتجدنا في انتظارك خاشعين، لتقتح تلك النافذة في سماء الخلود ليطلّ علينا الرفاق و يطمئنّوا أننا باقون هنا حيث سقطوا ، ليتأكّدوا أنّنا هنا متأهبون، كلٌّ في موقعه مرابضٌ لا ينعس لا ينام ولا يرفّ له جفنٌ فيهدأ بالهم ويرددّون مع ترانيم الخلود عبارة “ما بينعسوا الحراس”.

خبر عاجل