
تكفي مجريات الأسبوعين الفائتين، على مستوى الحراك الشعبي وتداخلاته وفوضاه، لتحديد أهدافه وفرز القوى المشاركة فيه، وبلورة الأولويّات المتناقضة بين مكوّناته.
لا شكّ أنّ الحراك تحوّل أرضاً خصبة لكلّ صاحب مطلب أو غاية أو أجندا خاصّة، سواء في الداخل أو الخارج، وقد خرج بعض الهمس إلى العلن عن جهة هنا ودولة هناك ومرجعيّة أُمميّة هنالك.
لكنّ الأساس يبقى في الحسابات الداخليّة المعقودة على سياسات خارجيّة تبحث عن مكسب ما في مرحلة التسويات الموضعيّة أو الشاملة في الشرق الأوسط.
وقد فرزت التظاهرات، حتّى الآن، فريقين غير متلاقيين: الأوّل يتّجه إلى المزيد من العقلانيّة والواقعيّة وفنّ الممكن في تحقيق أهدافه ذات الطابع المطلبي والوطني العام، والثاني يغرق في سياسة الخبط العشوائي لتحقيق مصالح شخصيّة وفرديّة وتعويم حضور، أو تنفيس احتقان عقائدي وثأري قديم.
والواضح أنّ الفريق الأوّل، وفي عداده حركة “طلعت ريحتكم”، أو معظمها، و”هيئة التنسيق النقابيّة” وتشكيلات أُخرى تظهر تباعاً وتلتقي تحت عنوان ” لجنة المتابعة لتحرّك 29 آب”، بدأ يعقلن مطالبه ويدرك أنّ أهدافه في مكافحة الفساد ومحاسبة طبقته وتصحيح الخلل، لا يمكن تحقيقها إلاّ عبر ممرّ إجباري واحد هو انتخاب رئيس للجمهوريّة يفتح خطوات الحلّ وإعادة تكوين السلطة التي يمكن محاسبتها وفق الآليّات الدستوريّة السليمة، وليس عبر النهج الانقلابي غير الممكن في لبنان.
وأظهرت ممارسة حقّ التظاهر في الأيّام الماضية، أنّ هذا الفريق يتخفّف بهدوء من الأثقال التي تستغلّ حراكه، حتّى داخل تركيبته التنظيميّة، وهذا تصرّف عاقل وسليم يعبّر عن حرصه على سلميّة التحرّك وفاعليّته، وسبل نجاحه.
أمّا الفريق الثاني، فيتابع ركوب الأسلوب الغوغائي والتسميم الاعلامي الذي تساهم فيه، بشكل سافر وفاجر، وسائل إعلاميّة ذات أجندا خاصّة وسلوك تحريضي موصوف.
هذا الفريق يعيش خارج السياق والواقع، وهو ذو جناحين متلاقيين، ولو حاولا إظهار العكس:
– الجناح الأوّل يلطو تحت تسمية “بدنا نحاسب”، وهو خليط من العقائديّين المحبطين الذين يستغلّون شلّة من الشباب المتحمّس. توقّف الزمن لديهم عند “غولاغ” ستالين، والحقد الدفين لكلّ ما يُسمّى غرباً أو عرباً أو “يميناً” في تعبيرهم المتحجّر. وقد رأينا رموزهم تنفخ أوداجها في الساحات وعلى الشاشات.
والمثير للهزء الأسود أنّهم يزايدون في “العلمانيّة” و”الديمقراطيّة” و”الحريّات” و”العدالة”، وهم واجهات محسومة لحزب ديني مذهبي مسلّح، وفتات موائده و”مكرماته” و”سراياه”، و”الآكلون من خبز السلطان والضاربون بسيفه” في سوريّا ولبنان و”حيث يجب أن يكون”. إنّهم ببساطة “علمانيّو حزب الله”!
– والجناح الثاني يتشكّل من أولئك الذين “يمشون فوق الأرض” تعفّفاً ونظافة، لا “دم ولا عمالة ولا عمولة” على أيديهم، “المطهّرين” من فساد سلطة يستولون منذ سنوات على أدسم حقائبها وأسخى خيراتها.
هؤلاء يتظاهرون ضدّ حكومة هم فيها، وضدّ حوار هم من أركانه، وضدّ جمهوريّة يريدونها حكراً على زعيمهم “القوي”، وضدّ الشعب الذين تجرّأ على شعاراتهم و”سرقها”، وضدّ انتخاب رئيس للجمهوريّة إلاّ من “الشعب” أو من مجلس جديد، وهم فشلوا في انتخاب رئيس لهم، فعيّنوه بأبشع صيغ التعيين والتوريث.
ولا يخجلون من استئجار “سرايا” حلفائهم وتلبيسهم ألوانهم كي يخدعوا الناس بشعبيّتهم. كما لا يخجلون من استئجار بعض “الفناّنين” الفاقدي البوصلة. ويرفعون شعارات ليست من واقع لبنان ولن تكون في مستقبله. شعارات مجافية للمنطق وغير قابلة للتحقيق. وكأنّهم من جماعة “خالف تُعرف”، و”برافو معلّم”!
أو كأنّهم يبحثون فقط عن تعويم معنوي بعد انتكاساتهم الشعبيّة المتكرّرة.
إنهّ التخبّط خارج الزمان والمكان، وخارج الواقع. ولا أُفق له.
إذا كان جناح “مومياءات العقائد” يرسف في ماضٍ ذهب إلى غير رجعة، ويعمل بالمعاش عند سلطانه المذهبي، فإنّ جناح “المشي فوق الأرض” و”الاقتراع بالأقدام” و”تعبيد الطرق بالأجساد” و”القائد الأبدي” لن يصل إلى ما فوق زنّار الوهم السياسي الجهيض.
وإذا كان لا بدّ من نجاح للحراك المدني، فسيكون حكماً من نصيب الفريق الصادق والعاقل الذي أثبت وعياً سياسيّاً واجتماعيّاً، وعليه ستنعقد إرادات طيّبة تريد خروجاً واقعيّاً من أزمات لبنان ومآزق سياسيّيه وأحزابه و”حواره” غير الواعد.
مسار واحد يُنقذ الجميع ويفتح طريق الحلول: خطوة عاجلة بانتخاب رئيس الجمهوريّة.
وما عدا ذلك، خبط عشواء وسير في الهواء.