هناك أبواب كثيرة يدلف منها اليائس في هذه الأيام للضحك على حاله وحالته. منها، اعتبار ما يجري من تظاهرات وتجمّعات وتحرّكات شارعية، جزءاً من ديكور المشهد الديموقراطي المعتاد.. ثمّ الاستطراد في الغشيان إلى حد استنتاج شيء إيجابي من مُعطى سلبي. ثمّ المشاركة في الردح الرنّان عن اكتشاف علامات صحّة في الجسم اللبناني المريض، من خلال هذا الهيجان الشارعي المفتوح، تحديداً.
ومن نكد الزمان اللبناني، أنّه قهّار عابث. يطوي أيّامه أينما كان لكنه يسترجعها بشغف في نواحينا. يعود عقوداً إلى الوراء ليقول إنّ ذلك هو الحاضر والآتي معاً.. يضيء كشّافاته على أحلك الأيام وأكثرها مرارة ويضعها مجدّداً على المسرح. ولا يفعل سوى ما تفرضه متطلبات التحديث في الشكل. يغيّر الأسماء والهويّات والأهواء لكنه يبقي النصّ على ما كان عليه قبل أربعين عاماً وأكثر، وحبكته المثلى تتمحور حول الجهل الذي يلبس قناع الذكاء. والتخلّف الذي يدّعي الحداثة. والظلام الذي يتغنّى بالأنوار. والمنتحر الذي يبحث عن “حياة” أفضل!
مأخوذون بالظواهر، بعض اللبنانيين! مهتاجون بالفطرة. ومتعطشّون لا يملّون من كرع الفرادة. لحظويون ويحبّون التشاوف بطول ذاكرتهم. وسريعو الغضب والعطب مع أنّ يقينياتهم عمرها من عمر الزمان! شعاراتهم كبيرة وأفعالهم صغائر. يأخذون العنوان ولا يهمّهم المضمون. أحلامهم لا تناسب واقعهم. وأوهامهم لا تناسب اجتماعهم. و”سياساتهم” لا تناسب انقساماتهم مثلما لا تناسب دولتهم!
انتبه الأشرار الكثر إلى هذه العلل واستثمروا فيها. وزادهم كان أهل هذه العلل أنفسهم: مَن أراد تحديث النظام دمّره وشلّعه! ومَن أراد حفظ “القضية” انتهى إلى وئدها مع وئد البلد برماد بنيانه! ومَن أراد صون التمايز انتهى لاجئاً فكرياً وسياسياً عند الذين أراد التمايز عنهم!
.. ويتكرّر هذا العبث مع وجوه “التغيير” المطلوب وظواهره. ومع الممارسات المعروضة أمام اللبنانيين لتحفيزهم على الانقضاض على “الواقع السلطوي القائم”. ومع البدائل المطروحة عن النظام المأزوم والمعطّل. ومع العيّنات الناطقة والمعبّرة عن إرادة “الإصلاحيين” المفترضة. ومع التعبيرات “الجليلة” المدعية ملاقاة نضوج ظروف التخلّص من تراكمات العجز، ثمّ مع نوعية الحلول المطروحة للأزمات الفاتكة باللبنانيين الأفاضل!
شيء شبيه بالسيرك المفتوح وعلى الهواء مباشرة.. وازاء ذلك تأتي الفجاجة في مكانها الصحيح: هذا الذي يجري، ليس لإراحة اللبنانيين من ضناهم إنّما شيء غريب عجيب وأسوأ من ذلك الضنى. وهذا ليس مكافحة للفساد إنّما تتويج لرعونة تداعياتها أخطر من الفساد. وهذا ليس تطلعاً لدولة حديثة إنّما إمعان في تهديم ما تبقّى من الدولة وفكرتها وسلطتها! وهذا ليس تحرّكاً إصلاحياً سياسياً إنّما تهويمات ميليشياوية يحنّ أصحابها إلى أيام السواد والفوضى والخراب والعبث! وهذا ليس حرصاً على لبنان إنّما تلاعب مريض بحاضره لردّه إلى أسوأ ما في ماضيه! وهذا ليس حبّاً بلبنان وإنّما تعبير أرعن عن حالة مَرَضية تكره كل شيء وتؤاخي العدم. وهذا ليس استعادة لحقوق مهدورة إنّما تكريس لشخصنة تلك الحقوق والمتاجرة فيها!
زمن عابث، كلما تحدّيناه بالآتي لطمنا بالماضي! وأي عبث؟