دمعة الحكيم وبسمة الشهيد

لا ذاك الدمع المتحفّز من عيون الحكيم، ولا هي تلك المشهدية الحالمة بالقيامة، هو ذاك الجامع الغريب بين شهداء على أساس أنهم رحلوا، وأحياء كأنهم ذهبوا اليهم يسترجعون وجودهم بالصلاة والمناشدة، فاذ بهم يتماهون معاً في الحضور لتكتمل مشهدية قداس شهداء المقاومة اللبنانية في معراب. قد يكون الكلام فيه الكثير من الذات، صحيح.

القداس، الحضور، الكلمة، التنظيم الرائع، أهالي الشهداء، أهالي الشهداء يا ناس هم كل تلك الذات. كأنه لقاء شخصين وجهاً لوجه، عاشقان لوحدهما، قلب لقلب قررا اللقاء تحت السماء مباشرة ليبوحا بكل ما عندهما من شغف مقاومة، كان الوضع كأن ثمة قلب ضخم يضخ من الجبل الملاصق دقات متناغمة، والناس تحت مرأى الصليب تسبح في رجاء ما، في حب كبير ما، في عنفوان لا يقارب، في تحد للذات بدا وكأنه ينتظر لحظة ما لينفجر، ولم تكن الشظايا لتقتل الا كل حاقد خائن متواطئ ميت الضمير…

كنيسة ما في قلب جبل، هذه رمزية عن مسيحيين حفروا في الصخر كنائسهم لتشهد على نضال حَمَلة رسالة يسوع، على من حفروا في الوعر صخر كنيسة وبنوا فوقها بيعة بطرس ومار يوحنا مارون ومن جاء من بعدهم من قديسين وشهداء ومناضلين…

هناك وسط عبق الزهر الابيض، وقف الاب الياس عنداري أمام الصليب، بوجه عبرت به أيام نضال صعبة، بقلب صمد في وجه رياح كثيرة عاتية واجهت الاب الشجاع المسلّح دائماً بالمحبة والايمان، تحدّث الاب المناضل في المسيح عن شهدائنا الذين “هم صورة حية بل أبناءٌ مخلصون للاهوتنا” تحدث عن البشير ونضال الحكيم، عظة الاب عنداري وقعت في قلب الشباب بلسماً، لم يسقط حرف واحد على الهباء بل في ضمير السامعين المشتاقين لاب من هذا الطراز المسيحي الرفيع…

لم تهدأ عيون امهات الشهداء عن البريق، كانت تلك الدموع الرقيقة المتلألأة في الندى الذي اجتاح المكان، كانت أمطرت قليلاً وعندما بدأ المساء يأخذ مكانه بين الارجاء، عادت بعض خيوط شمس وتسللت كأنها تقول للحاضرين لا تخافوا لن أبللكم الا بقطرات الندى وليقف الغيم حارساً للحراس الذين لم ينعسوا ولم ينموا بعد. عبر القداس، نشيد “القوات” بحلّته الجديدة، رودي رحمة، وجاءت كلمة سمير جعجع “لا لم ينتهِ، لبنان لم ينتهِ ولن ينتهي ولا ينتهي.

مررنا بالكثير ومرّ علينا كُثر كلّهم ذهبوا، وبقي لبنان”، كمن رشّ ماء باردة فوق قلوب متهالكة في حرّ صحراء الكرامة، كمن نقر على وجع حضور في المكان وخلف الشاشات ينتظر من يحكيها بلغتها، ولا لغة للبنانيين الا القلق واليأس والقرف وما تبقى من أمل وعنفوان.

رسائل صاعقة ومباشرة وجهها جعجع في خطاب باللغة المحكية ليحاكي وجدان الناس وليس ليلقي مجرّد كلمات، للحكومة “عاجزة وفاشلة مفهوم، ولكن لماذا هي فاسدة أيضاً؟ لأنّه حين يريد الكل المشاركة مع الكل في حكومة واحدة، وحين يوجد سياسيون فاسدون يصبح الجميع يسايرون الجميع بالفساد”.

رفض الدعوة للحوار لان “من جرّب المجربّ بيكون عقلو مخرّب”، وان اشترط للقبول به عودة المقاطعين الى مجلس النواب لانتخاب رئيس للجمهورية.

اعلن الثورة “ثورة جمهورية كاملة على كل شيء إسمه فساد وسوف نكون رأس حربة”. لم تكن رسائل عادية وجهت في الاتجاهات كافة، للحكومة و”حزب الله” خصوصا لوكل من له ضمير حي فليسمع ولم ينس أن يكرر بأن المسيحيين ليسوا أهل ذمّة ولا يحتاجون لحماية أحد، “فالجيش يحمي الجميع واذا لا سمح الله عجز عن مهمته نحن هنا قوات”.

كانت اللغة عالية جداً، لا هو تهديد ولا وعيد، انما الوعد بالكرامة بالمواجهة بالنضال لأنها رسالة “القوات” وقيمها وشهدائها الذين ما رحلوا ليتركوا أرضاً ينهشها الفرّيسيون، بل تركوا أرضا لتكون رمزاً لدعسات المسيح عليها لمروره المقدّس فوقها. سكب الوقت فوق دفعات عنفوان، شلالات حنين، لم ترخ تلك السيدة من يدها صورها ابنها الشهيد، كانت دامعة طوال الوقت الى أن تحدث الحكيم.

جلست منتصبة القامة وذهبت معه في ربيع العنفوان، وخصوصاً عندما خاطب الشهداء بلغة الحنين والحنان “في هذه اللحظات بالذات، لحظات القرف والقنوط، تمرّ أمامي صور قوافل شهداء المقاومة اللبنانية ببدلاتهم الزيتية البهية ورناجرهم المغبّرة ووجوههم الباسمة وجبينهم العالي، وبنسى القرف والقنوط وبسترجع أنفاسي تـ كمّل المسيرة، نحنا مش ولاد اليوم، نحنا أحفاد تاريخ طويل سقطت كل الصعوبات التي اعترضتنا بهيداك الوقت وبقينا نحنا وبقي لبنان”. ضحكت السيدة من دموعها، غمرت الصورة، ودعت الرفاق “بشوف وجكن بخير تقبروني شو حلوين، يقبرني ابني أكيد انبسط اليوم معنا”…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل