#adsense

يا أم الشّهيد… يا أمّي

حجم الخط

بالأمس، عند وصولنا إلى قلعة الحرّيّة والكرامة، المقرّ العام لحزب القوّات اللبنانيّة في معراب، للمشاركة في الذّبيحة الإلهيّة عن راحة أنفس شهداء المقاومة اللبنانيّة، وقفنا جميعنا بالصّف لنخضع للتّفتيش حفاظا على أمننا: مناصرون وحزبيّون (مسؤولون وعناصر)، وقفنا جميعنا صفّا واحدا لأننا قوّاتيّون؛ كان المهندس والطبيب والفنّان والمحامي والطّالب ورجل الأعمال وصاحب المهنة الحرّة والمزارع والعامل.. فجميعنا في “القوّات اللبنانيّة” أصحاب مهنة واحدة، مهنة النّضال.

جميعنا كنّا نتبادل أطراف الأحاديث، بعضهم يشكو همومه الحياتيّة والبعض الآخر يتذمّر التعب والوقوف طويلاً، وكان ضجيج الأحاديث صاخباً؛ إلى أن سمعت صوت إمرأة التهم الدّهر سنين تاريخ كينونتها، صوت مملوء بالدّفئ والحنان يهمس “أنا أم الشّهيد ميلاد” في تلك اللحظة تحوّل ضجيج الكلام إلى صراخ صمت أصم، لم أسمع مثيلاً له من قبل، وفي تلك اللحظة نفسها غرقت في حلم طويل لم يدم أكثر من لحظة واحدة، شعرت بفخر لا مثيل له، فأنا ميلاد، هل من الممكن أن يسمع رفاقي هذه الجملة نفسها بصوت أمّي في يوم من الأيّام؟!! وهل أستحقّ كل هذا الشّرف؟!!

لملمت نفسي من نفسي وعدت إلى حيث عالم البشر، ولكنني لم أقدر إلا وأن أبقى بحال اتحاد كلي مع رفاقي الشهداء، ما يجمعنا ضاربة جذوره في باطن الأرض كأرز الرب في وطننا لبنان: حلم الشهادة. رأيت جميع رفاقي ينظرون إلى الخلف ويتوجّهون يسارا ليفسحوا الطريق، فأسرعت معهم ونظرت إلى الخلف ورأيتها بثوب أسود وشعر أبيض، لمعت الفرح في عينيها والحزن يملء قلبها، يدب النشاط في جسدها وقد أرهقها التعب، على شفتيها ابتسامة رجاء، وعلى جبينها الفخر..

توجّه أحد الرفاق وأمسك بيمينها وسار بها نحو الباب، وعندما وصلت إلى جانبي تغلّبت غصّة قلبي على صوت حنجرتي ولم أستطع القول لها “تفضّلي يا ماما”. وصلت إلى الباب ودخلت، لكن الصمت استمرّ لدقائق، مشت أمامنا وخلف إبنها الشّهيد، إستدركت حينها أن في “القوات اللبنانيّة” لسنا جميعنا قوّاتيين عاديّين، بل هنلك بيننا أمّهات قدّيسات لأبناء شهداء أبرار قدّيسين.

وصلنا إلى الباحة وبدأ القدّاس ومعه دموع تلك القدّيسة، دموع الفخر والفرح، دموع الإشتياق والحزن لطول الغياب، وكأنها كانت تصلّي أن يستردّ الله أمانته لتراه وتقبّل جبينه.

لا أعلم إذا كان الشهيد ميلاد ضابطا أو عنصرا، مقاتلا أو لوجستيا، في الصدم أو سلاح الإشارة أو الوحدات الخاصة أو وحدات الدفاع… لا أعلم تاريخ استشهاده ولا حتى مكان استشهاده، في الأشرفية أو زحلة أو تل الزعتر أو قنات… كل ما أعرفه أنني ولدت بفضله.

تكلّمت معه على عطر البخّور: “رفيقي ميلاد، ارتاح لأنو أنا وغيري كتار من الرفاق متلك لا مننعس ولا منعرف نرتاح؛ وأمانة تقول للأرزة يلّي سقيتها من دمّك ما تعتل هم تعطش، نحن وقت الخطر قوّات وناطرين دورنا نسقيها من دمنا…”.

لملمت نفسي من نفسي وعدت إلى عالم البشر مرّة ثانية ولكن هذه المرّة استيقظت والأرض تهتز تحت أقدام الحكيم وهو يترجّل ليلقي كلمته. نظرت إلى أم الشهيد تلك، وهي تنظر إلى الحكيم يتكلّم، وكأنها تقول له: “سمير جعجع، أنت الشهيد الحي الذي قاتل مع رفاقه أيام الحرب، وأسر مع رفاقه أيام الإحتلال، ويسهر مع رفاقه أيام السلم؛ سمير جعجع، أنظر إليك وكأني أنظر إلى إبني ميلاد”.

إنتهى خطاب الحكيم ورايات “القوات اللبنانيّة” ترفرف في الهواء وابتسامة الشهداء تلمع في السماء. فنظرت إلى السماء وقالت:”حبيبي يا ماما، خلّيك مبتسم، شهادتك ودموعي واشتياقي إلك والمشعل بأيادي أمينة”.

يا أم الشّهيد، يا أمّي، أنحني أمام وفائك، أنحني أمام تضحياتك، أنحني أمام عظمتك، أنحني أمام قداستك.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل