.jpg)
كتب أنور عقل ضو في “GreenArea“:
من كان يتوقع أن تحرك البيئة في لبنان الملفات السياسية العالقة؟ ومن كان يتوقع أيضا أن تطغى أزمة النفايات على المشهد السياسي المتفسخ أساساً، وهي أزمة تمثل بعضا من تجليات الفساد في بنية نظام مترهل؟
ثمة الكثير من الأسئلة تلحّ علينا في هذا الجو العابق بغبار عاصفة رملية لم يشهد لبنان مثيلا لها من قبل، وروائح النفايات المتحللة والمحترقة. لكن ثمة حقيقة واحدة، وهي أننا عندما أطلقنا موقعنا greenarea كنا ندرك أن البيئة ستكون محرك القضايا الكبيرة، ليس في لبنان فحسب، وإنما في هذا العالم الذي نعيش بين ظهرانيه، خصوصا وأن البيئة بما تفرض علينا من تحديات كونية، هي ضحية مسارات سياسية واقتصادية وأخلاقية، ومقاربة هذه التحديات فرضت معايير جديدة في مواجهة الفساد ورأس المال الجشع واقتصاد السوق وآلياته المتفلتة من أية قوانين تحترم موارد الكوكب وشروط الاستدامة.
وتالياً، في المشهد السياسي الداخلي، من كان يتصور يوما أن تلتئم طاولة الحوار على وقع أزمة النفايات؟ لقد عجزت السلطة عن تأمين فرص التحاور بين أركانها، فإذا بالنفايات المتفرقة في مكبات مستحدثة تجمعهم، في مشهد يختلف كثيرا عن جلسات الحوار السابقة، مع حالة رفض وغليان، وتخطي حاجز الخوف مع رشق القادمين إلى الحوار بالبيض!
ولا نستغرب في هذه العجالة أن يصل خوف السلطة من شعبها إلى حد تجاوز تناقضاتها، واللقاء في حوار عقيم أظهر بالأمس كم بات باهتا حضور ممثلي الطوائف في سلطة تخاف شعبها، أقامت الحواجز والأسوار الحديدية والأسلاك الشائكة، وأحضرت آلاف العسكريين لحمايتها في مجلس النواب، حتى أن من رأوا يوما في الوصول إلى الندوة النيابية مجرد لوحة زرقاء “تزين” سياراتهم، قاموا بإزالتها خلسة، بعد أن تحولت اللوحات الزرقاء أهدافا صريحة لمواطنين بدأوا يجيدون ثقافة المواجهة رشقا بالبيض واعتراضا للسيارات الباذخة بصدورهم العارية.
ولا نستغرب أن تأتي الجلسة الاولى للحوار أقل من عادية، فالنفايات عرّت النظام، وأظهرت حجم التناقضات بين سائر مكوناته، فيما نجح الحراك المدني في تحقيق إنجاز تمثل في إرغام الحكومة على اعتماد خيار اللامركزية في معالجة النفايات، أي من خلال البلديات واتحادات البلديات التي ستتحرر من سلطة الوصاية.
كما سيكون للبلديات كسلطات منتخبة الدور الأساس بعد انتهاء المرحلة الانتقالية التي تمتد على فترة عام ونصف العام سيتم خلالها نقل النفايات الى مطمرين صحيين في سرار (قضا عكار) ومنطقة المصنع في سلسلة جبال لبنان الشرقية، إضافة الى إعادة فتح مطمر الناعمة لسبعة أيام فقط، واستخدام معمل صيدا لاستقبال جزء من الكميات خلال الفترة الانتقالية، واستكمال استخدام مكب برج حمود، وفق ما يخدم انماء المنطقة بالتعاون مع البلدية والجهات المعنية، حسب الخطة التي أقرتها الجلسة الاستثنائية لمجلس الوزراء أمس.
علما أن هذه الخطة يبقى نجاحها مرهونا بنبض الشارع وخيارات المواطنين، وهذا يعني أن قرارات الحكومة ستكون موضع اختبار جديد في الشارع، سواء لجهة موقف الحراك المدني، او لجهة رد فعل الاهالي في المناطق التي تم اختيار نقاط فيها لطمر النفايات خلال الفترة الانتقالية.
وسط كل ذلك، تبقى أزمة النفايات مشرعة على احتمالات كثيرة، ومعها كل أزمات النظام، بحيث أننا الآن حيال سلطة عاجزة تحاول ترميم حضورها، عبر حوار لا يُعوّل عليه، وحراك شبابي وشعبي بدأ يتسم بالنضوج يوما بعد يوم، رغم محالات تدجينه، ما يعني أن ثمة مشهدا ضبابيا ستتضح معالمه في الساعات والأيام القليلة المقبلة.