#adsense

الرئاسة على الطريق

حجم الخط

يوماً بعد يوم، يَثبت بطلان الشعارات الخارجة عن المنطق والواقع، كشعار انتخاب رئيس الجمهوريّة من الشعب أو من مجلس نوّاب جديد بعد تشريع قانون انتخابي غير مضبوط المعالم.

وبطلان هذه الشعارات ناتج من موانع ثلاثة:

–  مانع دستوري يجعل من مجلس النوّاب هيئة انتخابيّة وليست تشريعيّة بفعل خلوّ سدّة الرئاسة.

–  مانع سياسي يتمثّل بأكثريّة شعبيّة ونيابيّة وكنسيّة تضع انتخاب الرئيس كأولويّة ثابتة وحاسمة، وكمدخل إلزامي لإعادة انبثاق السلطة وإحياء المؤسّسات.

–  مانع خارجي دبلوماسي يتمثّل بموقف دولي وعربي يدفع في اتجاه انتخاب الرئيس أوّلاً.

ويتهافت منطق أصحاب هذه الشعارات بسبب تعارضهم مع أنفسهم: هم يعتبرون أنّ مجلس النوّاب غير شرعي لانتخاب رئيس، ثمّ يعتبرونه شرعيّاً لتعديل الدستور أو لتشريع قانون انتخابي جديد. إنّها قمّة التناقض والتخبّط.

إذا كان مجلس النوّاب الممدِّد لنفسه مرّتين شرعيّاً في تعديل الدستور ووضع قانون الانتخابات النيابيّة، وهو أهمّ قانون لانبثاق السلطة ويتساوى بأهميّته مع قانون الموازنة العامّة، فهو من باب أَولى شرعي لانتخاب رئيس الجمهوريّة، كأقصر الطرق وأسلمها لإعادة توليد المؤسّسات.

ويزداد تهافت موقف هؤلاء بعد الجلسة الأولى للحوار، ليس فقط بسبب توتّرهم وفقدان أعصابهم خلال النقاش بما أثار هزء المشاركين، بل بسبب تكريس موضوع الرئاسة كبند أوّل لا ينتقل المتحاورون إلى غيره إلاّ بعد بتّه.

وهذا ما عبّر عنه الداعي للحوار ومترئّس جلساته الرئيس نبيه برّي، مصحِّحاً موقفه السابق المتسرّع، وربّما الاستهلاكي، عن الانتقال إلى بند قانون الانتخاب والذهاب إلى الانتخابات النيابيّة قبل الرئاسيّة.

إذاً، نحن نتّجه نحو أفق سياسي أكثر وضوحاً، وهو أولويّة الانتخابات الرئاسيّة، حتّى أنّ معظم الحراك المدني بدأ ترشيد خطابه في هذا الاتجاه كي يحاسب سلطة فعليّة لاحقاً بدل محاسبة سلطة صوريّة راهناً. ولا شكّ في أنّ الرئيس برّي يراقب حركة الريح الإقليميّة والدوليّة، ولم يكن تعديله لموقفه السابق سوى ثمرة هذه المراقبة.

صحيح أنّ العلاقة بينه وبين ميشال عون تدهورت أكثر، عبر التراشق بهدر الأموال ورائحة الصفقات في وزارة الطاقة، ولكنّ تصويب بوصلة الانتخابات الرئاسيّة في الاتجاه الصحيح يتخطّى الخلاف الثنائي ويتّصل بالتوازنات الداخليّة والخارجيّة وسياسة التهدئة والاستقرار.

لذلك، يتّضح أكثر فأكثر أنّ الجهات المنادية بانتخاب الرئيس الآن من الشعب أو بانتخابات نيابيّة أوّلاً، وقد حصرناها في المقال السابق بطرفين يشكّلان واجهة أو ذراعاً ل”حزب الله”، باتت فعلاً خارج المسار السياسي السليم، بعد سقوط شعارها التخريبي الذي لا يوصل إلاّ إلى الفوضى والفراغ الأخطر.

واليوم، وأكثر من أيّ يوم مضى، وبعد 16 شهراً من الفراغ الرئاسي، يمكن تلمّس الطريق المؤدّي إلى الحلقة الأولى من الحلّ: إنتخاب رئيس جديد. وربّما بعد تكرار جلسات الحوار التي ستحصل على وقع الاتجاهات الجديدة في أزمات المنطقة، وتحديداً في سوريّا حيث تدور مساومات اقتسام النفوذ، وقد سارعت موسكو إلى الحضور فيها ميدانيّاً لتأمين حصّتها بعد رحيل الأسد.

ولم يعد خافياً أنّ الرئيس العتيد لن يكون منساقاً في محور، أو طرفاً في اصطفاف داخلي أو خارجي.

وهناك من أهدر فرصاً كثيرة لتقديم نفسه حلاًّ ونقطة التقاء وعروة وثقى، فلم يستطع التحرّر من التزام وقّع عليه ووقع فيه وعلق في مصيدته. ولا يمكن لمن يتباهى بتوقيع وثيقة ارتهان فئوي ومذهبي أن يحكم دولة متنوّعة ودقيقة الحساسيّات مثل لبنان.

سواء طالت جلسات الحوار أو قصرت، وسواء دار الحوار على نفسه أو خرج إلى تسويات، فإنّه ليس سوى واجهة لترتيبات في الحوار الأكبر والأعلى الدائر بين الأمم.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل