#adsense

بشير الشهيد وسمير الشاهد والشهيد الحي

حجم الخط

لم يصنع الموارنة هذا اللبنان بإنقلاب عسكري. لم يفرضوه بقوة الحديد والنار. لم يَعتقلوا مُعارضاً له. لم يُعذبوا مُعترضاً عليه. لم يَغتالوا زعيماً أو مفكراً أو صحافياً انتقد هذا “اللبنان الكبير”.

الذي حصل هو العكس. منذ أن كان هذا اللبنان، حاول كثرٌ إلغاءه بالانقلابات والإعتقالات والإغتيالات. الإنقلابات سبقت انقلاب حفنة عسكرية من القوميين السوريين، ثم تتالت وصولاً الى الإنقلاب الكبير في العام 1975. ومقارنة بعشوائية مجموعة “إنقلاب القوميين” في ستينات القرن المنصرم، نجحت مجموعة قومية سورية ثانية، وبعد نحو عشرين سنة على الإنقلاب الأول، في توجيه ضربة أكثر ايلاماً بإغتيال رئيس جمهورية اسمه بشير الجميل. من اسمه وحده يمكن أن نعرف مقدار الخسارة والوجع. الخسارة والوجع لم يكونا فقط لأن الهدف كان رئيساً للجمهورية، بل لأنه كان سيكون رئيساً لجمهورية جديدة. بشير الجميل كان صريحاً وقال إنه سيدفن شيئاً مات. لم يكن هو قاتل “صيغة 43” القتيلة، لكنه أراد دفنها وبناء صيغة جديدة. صيغة لا تحمل التباسات ومُداهنات وأكاذيب “صيغة 43”.

قُتلَ بشير. ومن أسباب قتله أنه لم يرد أن يكون رئيساً بإنقلاب عسكري، حسبما اقترح بعض مستشاريه. مما لا شك فيه، أن الغزو الإسرائيلي كان عنصراً حاسماً في وصوله، لكن خطأه أنه أراد المحافظة على حد أدنى من عمل المؤسسات، فدفع حياته ثمن رسالة الشراكة الوطنية التي جعلته يعتمد مؤسسة البرلمان لوصوله، أو لنكن أكثر صراحة، “لفرض وصوله” الى الرئاسة.

متأثراً بتراث مسيحي قديم، ورغم إمتلاكه أوراق القوة الإنقلابية، وفي عز قدرته على الفرض، “فاوض”. التفاوض انتهى إغتيالاً.

بعد أقل من عشر سنوات، التفاوض الجديد انتهى إعتقالاً. سمير جعجع خلف بشير، وفي ظروف معاكسة وعسيرة، وجد نفسه يفاوض على “صيغة الطائف”. هذه المرة لم يكن هو الفارض بل المفروض عليه. وكان التفاوض يتطلب جرأةً وحكمةً وحذراً، لا يُحسَدُ عليهم أي سياسي. كان ميزان القوى لمصلحة الأخصام، لكن سمير جعجع كان يمتلك “حق النقض التاريخي”.

كان يمكنه حرق آخر أوراق الشراكة الوطنية، وكان لديه من الأعذار ما يبرر “حق النقض التاريخي” للصيغة التي عُرِفتْ بصيغة الطائف. لكنه، ورغم جذرية شخصيته، لم يتخلص من “جينة التفاوض المسيحي” في أعماقه.

وكان يمكن أن يكون لإعتقاله، لو أحرق الشراكة، “صورة بطولية” لا تقل قيمة عن “بطولة الإعتقال” لرفضه “الإنقلاب على الطائف”! وكما هناك من لامَ بشير على عدم قيامه بالإنقلاب، لا يزال هناك من يلوم سمير، لأنه لم ينقلب على الطائف، بل قاوم الذين انقلبوا على الطائف!

اليوم وبعد أن مرت سنوات وسنوات، أي شهيد كان بشير؟ كان شهيد الـ 10452 كيلومتر مربع.

وأي شاهد هو سمير؟ وهذه الـ10452 لا تزال مساحة جغرافية ولم تتحول بعد مساحةً لدولة.

سمير الشاهد هو شهيدٌ حيٌ لإغتيالات كثيرة. اغتيل في البيئة السياسية الذي بدأ. وفي الطائف الذي أنشأ. وفي المجتمع الذي “تغوغأ”! ورغم ذلك لا يزال حياً سياسياً، ولا تزال “القوات اللبنانية” تُعانِدُ الأقدار بقائدين: شهيد لمرة، وشاهد هو شهيد حي لمرات!

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل