#adsense

زينة العلي المرعبي: بشير في بيتنا قاوم وواجه واستشهد

حجم الخط

وكأن العمر توقف في تلك اللحظة، في تلك”التكة”، وكأن لا زمن عبر، وكأن لا عبور لزمن الكبار في عمر الزمان. وكأن كل ما حدث قد حدث الآن، وكأن بيت سليمان بك العلي ينغل الآن، في هذه اللحظات، بالشباب، بالنواب، إستعدادا لانتخاب البشير رئيسا للجمهورية اللبنانية. وكأن 23 آب ذاك يحدث الآن وكأن 14 أيلول ذاك حدث الآن وكأن كل شيء، كل كل شيء، تجمد في تينك اللحظتين.

هناك، في بيت زينة سليمان العلي المرعبي، تستمرُ تلك اللحظات حيّة مجبولة بلمعتيّ عينيّ إمرأة عاشت اللحظات الصعبة التي سبقت الإنتخاب وتبعت الإغتيال، وبين بين، بين اللحظة واللحظة، أبحرنا معها في محطات صامدة الى أبد الآبدين…

بصوتٍ جهوريّ وبنبضٍ عالٍ يبعثُ في السامعين حماسة تلك اللحظات تتحدث زينة العلي المرعبي عن بشير الذي كانت تجهله في البداية وبشير الذي تعرفت إليه لاحقاوبشير الذي أقنعها بأن البزة الميليشياوية التي يرتديها صاحب الحق، إبن الوطن، الذي عينه على لبنان وبقاء لبنان وصمود لبنان يستحق أن يُصبح رئيس جمهورية كل لبنان… فماذا حدث معها لتتغير؟ كيف تمّ هذا التغيير؟ وماذا دار من أحداث في ذاك الزمان؟

فلنبحر معا…

“لم يكن سهلا التقرب من بشير بينما كانت القذائف تدك المناطق تحت عنوان “الحرب الأهلية” تتحدث العلي عن هذا شارحة “إستصعبتُ هذا الأمر جدا في البداية لكن اللقاءات التمهيدية كانت تجري بيننا عبر وسيط، هو صديق مشترك، هو صديقنا الدكتور جان غانم وأتذكر أن اللقاءات الأولى كانت عاصفة. وكنت أتشارك مع والدي سليمان بك العلي في حضور كل اللقاءات وكان معروفا عني صراحتي ورفضي التراجع عن رأي وقناعة إلا بعد أن أتأكد تماما من صحة آراء الآخرين. كنا نعتبر بشير الآتي من “القوات اللبنانية” ميليشياويا ويتحدر من حزب “الكتائب” الذي كنا نعتبره في حينها أقرب الى الميليشيا منه الى الحزب السياسي. لم أتقبل بالتالي في البداية طرح مجيء بشير الجميل رئيسا للجمهورية اللبنانية وقلت للصديق جان غانم، بالفم الملآن، أن هذه المعادلة لا تدخل في الرأس والعقل، فأجابني: “دعينا نتكلم بهدوء ونفكر بهدوء ونتباحث في جوهر الأمور بهدوء” وهذا ما كان.

تتالت اللقاءات، تعرفت زينة العلي على بشير، وباتت هي “الوسيط” الذي يقرّب المسافات بينه وبين والدها وتقول: “كانت هذه هي المرة الأولى ربما التي ألتقي فيها مع زوجي النائب السابق رفيق شاهين على نفس السياسة، حول شخص واحد هو بشير، وزوجي كان شهابيا وأول مرة تبوأ صفة نائب كانت بدفعٍ من أحمد الأسعد الذي ضمه الى لائحته”. وتستطرد “هل تتصورين أن لقاءنا حول بشير شكّل مفارقة تمثلت بلقائنا، لأول مرة منذ ارتبطنا، حول مسألة سياسية في لبنان؟”.

هل تتذكر زينة العلي المرعبي اللقاء الأول مع بشير وجها لوجه؟ هل كان ودودا؟ هل دار الحديث حول مسائل سياسية محددة؟ علام التقيا؟ علام اختلفا؟ تجيب: “لم ينكسر الجليد بيننا بسهولة، وتدريجيا فهمنا أبعاد انتفاضة بشير ورفاقه ضد الفلسطيني والسوري، ويا ليت كل اللبنانيين تمحصوا في عبارة صلاح خلف (أبو أياد) حينها “طريق فلسطين تمر في جونية”. ويا ليت اللبنانيين يتذكرون هذه العبارة التي ترددت في حينها والتي ظنها بعض المحمديين أنها لمصلحتهم فساهموا في تشكيل ما يُشبه حزام حماية للفلسطيني على حساب الشريك المسيحي في الوطن، وكنت أسمع همسات هؤلاء، سنّة لبنان، الإعتراضية في البيوت لكنهم كانوا يسكتون أمام الشاشات” وتستطرد “قلة حكوا وبين هؤلاء كان المحامي عبد الحميد الأحدب وقد استفظع كثيرون ما قاله “فطيّروا” ابنته، قتلوها، فغادر بعض الوقت الى باريس ثم عاد وعاد يكتب بذات القوة. نوايا الفلسطينيين المبيتة بررت لنا كل النهج الذي كنا نلوم بشير من أجله، الذي دفعه من أجل خوض المقاومة ضد الفلسطيني. مقاومة بشير ورفاقه أتت عفوية، طبيعية، لمواجهة الفلسطيني الذي يريد أن يأخذ الأرض ويسترجع فلسطين من جونية ولا يزال يتحدث هذا الفلسطيني حتى اليوم عن “البيارات”. والسوري لم يكنأيضا قليلا وكلنا يعلم ماذا فعل في وطننا. وبشير تنبه الى كل هذا باكرا فقاوم وواجه واستشهد”.

فهمت زينة العلي هذا تدريجيا ونقلته الى والدها نائب عكار سليمان بك وبدءا يعملان من أجل إقناع بعض النواب لانتخاب بشير الجميل رئيسا للجمهورية اللبنانية. المهمة لم تكن أبدا سهلة وتشرح زينة العلي: “كنا نجمع بعض النواب الذين كان ممكنا أن نأخذ ونعطي معهم، في منزلنا في الحازمية ونتحدث معهم عن جدوى التغيير عبر انتخاب بشير. إستغرق هذا وقتا ليس بسيطا وتطلب جهدا غير قليل لكننا نجحنا في هذا. كان الشباب (النواب) يتحدون الواقع الأمني السيء ويلتقون في بيتنا وكنا ننام ونستيقظ أحيانا على أصوات التهديد والرصاص. كانت فناجين القهوة أحيانا تتساقط على بذات النواب والزجاج يتكسر لشدة دنو تساقط القذائف ونحن مجتمعين. كنا نضحك أحيانا لتلك المشاهد. كنا نعيش لحظات مضحة مبكية”.

إشتغلت زينة العلي على كل نائب كان معترضا على حدة وكان أول ما يهمس به كل واحد منهم: “نكاد لا نصدق أنك تعملين من أجل مشروع بشير يا ست زينة وأنتِ من تنتقدين دائما الميليشيات!” وكانت تجيب: “إذا كانت هذه الميليشيات تعمل من أجل لبنان فأنا معها”.

العلم اللبناني في قلادة حول رقبة زينة العلي، لم تنزعه من زمان، وهي أوصت بأن “لا يدق به أحد يوم تموت” وتقول: “طلبت أن أدفن بهذه الأرزة” وتستطرد “شيئان أحتفظ بهما دائما ولا اخلعهما لحظة: القلادة التي ترمز الى العلم اللبناني وساعة والدي”.

حصل تقارب كبير بين الشيخ بشير وسليمان بك وتقول زينة: “من يتعرف على بشير الجميل يحبه. ثمة طفل فيه. إذا أحبّ يُحب بصدق. هو صريح ولا يقبل المواربة. كان يُشبه سليمان العلي المرعبي كثيرا” وتخبر: “إتصلت به ذات يوم وقلت له حرفيا: هل أنت قادر على أن تمر نحونا قليلا؟ أجاب: وهل يفترض بي أن أفعل؟ هل هناك ضرورة الآن؟ أجبته: شقيقة احد النواب الذين يعملون معنا (الشيخ بطرس حرب) في المستشفى، في جونية، وهي في حال خطرة وهي وحيدة بين ستة شباب. قاطع بشير بسؤال: هل تريدينني أن أزورها؟ أجبت: بالتأكيد، لأنه إذا تطورت حالتها لا سمح الله فلن يترك بطرس شقيقته ويتابع حملة إنتخابك رئيسا. قمّ بهذه الزيارة الآن وهو سيراها لك. وبعد أقل من ساعتين أتاني إتصال من مرافق بشير يقول فيه: تمت العملية”.

عرف بشير أن بيت العلي يعملون بصدق من أجله فوثق بهم حتى النخاع وهو، حين يثق بأحد، يتحول الى طفل كبير. كان بشير قريبا جدا من كل مَن وثق بهم.

وماذا عن اللحظات الصعبة في مسار الحملة الإنتخابية التي جرت بين أعمدة بيت العلي المرعبي؟ تجيب زينة: “أتذكر يوم ذهب بشير الى المملكة السعودية فجأة طار صواب والدي وقال لي بلهجة الأمر: أشطبي إسمي من الحملة. سألته: لماذا؟ أجاب: صاحبكم ذهب الى السعودية. رديت عليه: وصاحبك أيضا. أجاب بغضب: واثق أنه سيعود مختلفا ذهنيا وأنا لن أتابع المضي في حملة من هذا النوع. دعوته أن “يُطول باله” وقلت له: بشير يا بيي مش متل غيرو. بشير لا يقبض من أحد. إنه نظيف ولا يُبدل قناعاته مقابل كل مال الدنيا. وفور عودة بشير اتصلت به وقلت له: الحالة ما بتسوا. أجاب باستغراب: أين؟ في المنطقة؟ رديت: لا، في بيتنا، وهي تعنيك أنت، وزيارتك الفجائية الأخيرة الى الخارج ليست على ذوقه أبدا. أتى بشير. زارنا. وألحيت على والدي أن يواجهه ويطرح عليه كل الأسئلة التي تحوم في باله ففعل هذا وهو يرتدي نظاراته السوداء، وهو حين يفعل ذلك يكون عادة غاضبا، فاقتربت منه ونزعتها عن عينيه متمتمة “نريد أن نرى عينيك يا بيي” وقلت له: أمامك بشير وفي قلبك كثير من التساؤلات إطرحها عليه وإذا وجدت أجوبة شافية لها فلنتابع حملته. جلسا نحو ثلاثة أرباع الساعة يتحادثان وفي الختام خرج والدي راضيا. إقتنع بعدما عرف سبب الزيارة”.

بماذا برر بشير سبب الزيارة؟ تجيب: “لن أفصح أنا عن السبب لكني أستطيع أن أجزم أنه كان لمصلحة لبنان”.

أتى يوم الإنتخاب.  إلتقى عدد من النواب في منزل سليمان بك العلي ونزلوا معًا بينهم فؤاد لحود وطلال المرعبي. “وبقيت أنا ملتصقة بجهاز التلفاز أحسب مع سكرتيرتي عدد النواب. ويومها أخبرني بشير أنه سيمرّ قبيل الإنتخابات على النائب ألبير مخيبر ليشكره أنه لم ينزل الى البرلمان ولم ينتخبه ما دامت هذه قناعاته. شجعته على هذا وتابعت تفاصيل الزيارة من ميل ودنو ساعة الانتخابات من ميل آخر. كانت إنتخابات ذات ظروف صعبة جدا جدا. وكان سبب جفاء بعض النواب المعلن أن بشير تعاون مع الإسرائيلي، بينما كنت أنا أشعر أن من يرى أن الفلسطيني ثم السوري يريدان الإستيلاء على لبنان فسيتعاطى حتى مع الشيطان من أجل المحافظة على الوطن. الوطن قبل كل الدني. نحن سعينا الى إقناع النواب بوجهة نظرنا ولم “نبرطل” أحدًا بمال. لا نملك أصلا المال لنفعل هذا. وأستطيع أن أعلن بكل فخر الآن أن من اقترع لبشير فعل هذا اقتناعا كليا ببشير. ويوم انتخب بشير رئيسا تفاهم مع سليمان بك العلي على ضرورة أن يتفاهما على كل شيء في الحكم. اراد بشير أن يختار والدي رئيسا لأول حكومة تُشكل في عهده. كان هناك تفاعل رائع بين الإثنين ولو تسنى لبشير أن يحكم ويتعاون مع سليمان العلي لكانت أمور كثيرة قد تبدلت”.

أمور كثيرة نتمناها لا تحصل. فها هو الرابع عشر من أيلول يحلّ. وها هو صوت الإنفجار اللئيم ما زال يصدح في جنبات الوطن حتى اللحظة. وها هي زينة العلي المرعبي تتذكر تلك اللحظة: “كنت على الطريق، في السيارة، في منطقة الأشرفية بالتحديد، وأتذكر أنني كنت أجلس الى جانب السائق ودوى صوت الإنفجار وتناثر كل شيء، حتى الأحلام. كنت أعرف أن بشير يجتمع في تلك اللحظات في بيت الكتائب. قلت للسائق: توقف ورحنا نسأل العالم بهلع عن مكان الإنفجار بدقة. وحين علمت أيقنت أن كل شيء قد انتهى. عدت الى المنزل. وجدت والدي جالسا على كرسيه. نظر في وجهي، في عيني، وسألني سؤالا واحدا لا غير: “قولي لي أنه سينجو، أنهم قد ينجحون في إبقائه حيا، قولي لي”. أجبته: صلي له يا بيي وأنا سأصلي. اتصلت في تلك الليلة بكل الأطباء الذين أعرفهم من أجل إفادتي عن موقع الإصابة وأحدهم حسم لي الأمر: حتى المعجزة في حالتِهِ ما عاد لها مكان”.

مات البشير ودخلنا السنة الرابعة والثلاثين على غيابه وها نحن لا نزال ننتظر رئيسا قويا للجمهورية لكن الحاقدين الذين يُضمرون شرا للبنان ما زالوا يعبثون. وفي هذا الإطار تختم زينة العلي المرعبي بأمرٍ: “يجب أن يكون رئيس جمهورية لبنان مسيحيا. يجب أن يبقى لبنان غير كل البلدان التي تحوط بنا. لكن خوفي اليوم أن يعتاد الناس على عدم وجود رئيس”.

في كلامِ زينة العلي نبض قد لا نتلمسه إلا لدى من يؤمنون بوطنهم ويرفعونه لؤلؤة على صدورهم وتاجا على جباههم. هي، إبنة سليمان بك العلي المرعبي، تفعل هذا كما فعل من قبلها والدها. وهي عملت ذات يوم من اجل تحقيق حلم الوطن وما تزال على الرغم من كل خيبات العمر تحلم بوطن.

بشير الجميل الحلم يستمر حلما ويستمر كثيرون، على الرغم من مرور كل هذه السنين، يثقون بأن الأحلام لا بُد أن تتحقق ذات يوم إذا امتلكوا شجاعة مطاردتها… تُرى هل سيتحقق الحلم، حلمنا ببشير، ذات يوم عبر ولادة جمهورية لبنانية لا مزارع لبنانية؟

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل