#adsense

حياة إرسلان: هذه قصة العلاقة بين المير والشيخ بشير

حجم الخط

في قصر الأمير مجيد إرسلان ونجله الأمير فيصل إرسلان في عاليه متحف يختزن تاريخًا من الرجولة والسياسة الشريفة، أمر يعرفه كل اللبنانيين تقريبًا لكن ما لا يعرفه كثر منهم أنه القصر الذي شهد على قصة صداقة وثقة بين أمير شاب وشيخ يحلم بالرئاسة ليصحو على… وطن.

تدخل الى القصر تبحث عن آثار تركها الرجلان، فيصل وبشير، فيخال لك أن التاريخ يغفو هنا مطمئنًا على أمانة حاملة الإرث، وقد ترك للأميرة حياة إرسلان كل أمجاد الماضي ونضالاته المشرّفة لتشهد كيف كانت زعامة آل إرسلان لخدمة لبنان الكرامة والعنفوان. كل الماضي يعيش معها هنا، يتعمشق بواريد على الحيطان وعباءات الزعامة ومسابح المير والأواني النحاسية والأثاث القديم الأصيل…

مع الأميرة زوجة الأمير فيصل التي يليق بها اليوم لقب “أميرة الناس وهمومهم” فتحنا دفاتر ماض مرّ قبل 33 عامًا عاش فيه لبنان حلمًا جميلًا إنكسر في 14 أيلول يوم عيد الصليب، لتبدأ جلجلة وطن لم يعرف حتى اليوم متى نهاية مراحل الصلب، وهل من قيامة؟!

في الصالون الذي أيّد فيه آل إرسلان الشيخ بشير الجميل رئيسًا كان هذا الحديث.

شهد هذا القصر محطات مجيدة للرئيس الشهيد بشير الجميل ماذا تذكرين منها؟

أعلن الشيخ بشير ترشحه للرئاسة من هنا من على شرفة قصر المير مجيد، جاء لزيارة المير وكان برفقته الأستاذ جوزيف الهاشم وعندما خرج الى الشرفة سأله الصحافيون عن سبب الزيارة فقال “جينا ناخد بركة المير مجيد…” فعاد وسأله صحافي اذا ما تباحث مع المير في قضية رئاسة الجمهورية فأجاب جوزيف الهاشم ” من دون ما نطلب، المير مجيد بارك ترشيح بشير”!.

 ما سرّ تلك العلاقة الوطيدة التي جمعت بشير الجميل بالأمير فيصل إرسلان؟

بيت إرسلان عندما أيدوا وصول الشيخ بشير الجميل الى سدّة الرئاسة كانوا يحاولون القول أن هناك ضرورة للتواصل مع الأقوى مسيحيًا ومن تُجمع عليه الساحة المسيحية يجب أن يكون في الواجهة لأنه هو القادر على التأسيس لعلاقة وطيدة تحكمها الثقة الكاملة أنه إذا إتخذ خطوة في إتجاه الآخر هو قادر على تنفيذ تعهداته ببناء علاقة وطنية متكافئة وكاملة. لذلك وثقوا أن الأقوى هو المطلوب لتلك المرحلة السوداء التي تنذر بواحدة من الأخطار التي كانت متوقعة وواحدة منها هي خطر إغتيال الشيخ بشير وهكذا حصل، وكان لديهم رغبة واندفاع باتجاه جمع مكونات البلد. الخوف من انفراط البلد وجه آل إرسلان باتجاه هذا الخيار إضافة الى صفات بشير التي كانت واحدة من أسباب الثقة فيه وإختياره فقد كان مباشرًا وصريحًا صاحب مواقف واضحة لا يحتاج المرء ولا مرة لأن يحمّل كلامه أي تأويلات، يقول كل ما لديه بشفافية ويسمي الأمور بأسمائها لذلك كنا نثق أننا إذا تكلمنا معه لن ينقلب على كلامه. وثقنا أن الشيخ بشير يصلح لتلك المرحلة وكانت علاقة فيصل بالشيخ بشير علاقة ودّ واحترام ومعايشة المراحل. أما المير مجيد فرغم فرق العمر الكبير بينه وبين بشير وهو من جيل والده الشيخ بيار الجميل لا بل اكبر فعندما رآه خلال زيارته لنا أواخر تموز 1982، وكان المير مجيد يتمتع بفراسة قلّ نظيرها، فنظر إليه وقال “يصلح ليكون رئيسًا للجمهورية!” ولذلك ذهب مع كتلته وانتخبوا الشيخ بشير الجميل للرئاسة. المير مجيد راهن على شبابه وعلى اندفاعه وصفات الحزم والحسم التي كان يتمتع بها والتي كانت ضرورية لإعادة إصلاح البلد. فقد كانت لدى بشير عقلية إصلاحية متقدمة، وعدم حبه للبهرجة الشخصية والمظاهر التي يتكل عليها كثر من رجال السياسة في لبنان كانت واحدة من أرصدة بشير. رصيده الشخصي ورصيده السياسي جعلاه كرئيس للجمهورية في تلك المرحلة رئيسًا مهما.

توج الثقة به عندما قال “أنا رئيس لكل لبنان ما بقا آخد قرار أنفرد به بنفسي”، يومها قال آل إرسلان “رهاننا كان بمكانه!”، كما توّج طريقته بالتعاطي عندما بدأ البعض بالالتفاف وزيارته للتهنئة فكان يقول لهم “مرقوا ببيت المير مجيد بالأول خدوا درس بالوطنية وبعدين تعوا لعندي”! نحن كنا نتوقع الاغتيال ونعلم ان الحلّ لم ينضج في لبنان ليأتي رئيس يحلّ كل معضلات الحرب والسياسة لأن الرؤية لم تتضح في المنطقة لذلك كنا نخاف من ذاك الاغتيال، لكن ليس بالسرعة التي حصلت.

 

 أي كنتم تقرأون علامات الاغتيال؟

نعم، بشير الجميل إغتيل لما يمثّل وليس لشخصه. اغتيل معه مشروع الوطن! بكى عليه المسلمون أكثر مما بكى المسيحيون عندما اكتشفوا توجهاته الوطنية في غضون 21 يومًا في سدة الرئاسة. كانت خسارة فعلية.

 ما هي اللحظات التي جمعت الشيخ بشير بالأمير فيصل إرسلان وهل تذكرين حوارات دارت بينهما؟

عندما كانت الأمور تتفاقم وتشتّد العقد السياسية وضبابيتها كان فيصل يقول لـ بشير “انت كل عمرك سريع ومستعجل يا عمي شو قصتك؟ شو في؟ طوّل بالك. طلاع قعود بقصر بعبدا من اليوم!”.

ويوم توجه الوفد الدرزي من هنا الى بكفيا لتهنئته وكان يضمّ أكثر من خمسة آلاف رجل لا أنسى أن الفرد ماضي اتصل بي قبل ساعة تقريبًا من انطلاق الموكب وطلب مني تزويده بأرقام السيارات التي ستصل الى القصر في بكفيا فأجبته “ألفرد عن شو عم تحكي في الف سيارة! شو بدك؟” صمت ألفرد وارتبك، وعندما وصل الموكب ورآه بشير نسي كل ما هو تدابير أمنية وإجراءات وتحفظات … نسي كل شيء ونزل سلّم باليد على كل منهم. اتصل بي ألفرد بعد الزيارة وقال “مش مصدّق، مش مصدّق ما بقدر أوصفلك فرحتو” فأجبته أن المهم أن نستثمر هذه الزيارة بإعادة اللحمة الحقيقية بين اللبنانيين، لكن للأسف جاء الإغتيال ليهدم كل شيء ويفرّق الكلّ.

يوم عاد الوفد من بكفيا حصلت أحداث في قرى المنطقة عندنا ذهب ضحيتها العديد من الشهداء، وحصلت تعديات على السيارات والأشخاص في عرمون وفي عاليه… حصلت خضة كبيرة لم يحملوا كثافة الناس التي شاركت في الوفد. في اليوم التالي صعدنا أنا وفيصل لزيارة بشير في بكفيا فسأله بشير ” مير قلي شو بتطلب شو بدك نعمل؟” فأجابه “بطلب تطبيق القانون وتحرّك الدولة.” فارسل بشير القاضي أسعد جرمانوس وبدأ التحقيق وبدأت الإجراءات القانونية. فعلا ولا مرة في خلال الأيام الـ 21 التي وصل فيها بشير الى الرئاسة ولا مرة تعاطى بطريقة ثأرية، وفيصل الذي يعرف الجميع أنه كان يعاني من الكبت السياسي ويعيش في ظلّ ظروف ضده وضد توجهاته السياسية رغم كل ذلك هذه الخلفية لم تدفعه عندما تسنت له الظروف أن ينتقم ممن كانوا يمارسون عليه سطوتهم، ولا مرة طيلة تلك الفترة إلا واحترما هو وبشير أن موقع رئاسة الجمهورية لكل لبنان ولا يمكن إستعمال سلطته للانتقام واستغلال القانون. ورغم القتلى والأحداث لم يقبلا إلا بسيادة القانون. يعني بدأ الكلام بسيادة القانون والعدالة قبل أن يتسلّم بشير الرئاسة. كان منطق التعاطي يحكمه منطق الدولة. قبل أن يصل الى الرئاسة كانت لدينا قدرة على الإستفادة من موقعه ومن القوة التي يتمتع بها مع ذلك ولا مرة كانت الافادة الا لمصلحة المظلومين ممن كانوا يخطفون او تحتل بيوتهم او تحصل بحقهم ممارسات شاذة من ممارسات تلك الحرب البشعة. ولا مرة استغلت العلاقة مع بشير الجميل قبل وبعد انتخابه الا على قاعدة احترام القانون والمؤسسات. كانت محطة مضيئة في تاريخ هذين الشخصين وتعاونهما معًا، كان يمكن أن تضيء لبنان لو استمرت، لكن كلنا يعرف أن الإغتيال لم يحصل عبثًا فهناك مشروع لشرذمة البلد كان يجب أن يكمل وما زلنا ندفع ثمنه حتى اليوم.

 حتى الأمير فيصل تعرّض لمحاولة إغتيال في العام 1983 لماذا؟

طبعًا في شباط 1983 تعرضنا لمحاولة إغتيال وكأن المطلوب كان القضاء على كل ذاك الفريق.

 كيف تلقى الأمير فيصل نبأ إغتيال الشيخ بشير؟

كانت صدمة الاغتيال رهيبة، وبدأ الشعور قويًا أن البلد لن تكون له قيامة، وحصل المتوقع فرئاسة الشيخ أمين الجميل كانت مليئة بالأشواك، من جهة اسرائيل تزركه ليوقّع اتفاق 17 أيار، ومن جهة ثانية سوريا تضربه كي لا يوقع الاتفاق والإثنان إتفقا على الانتقام من لبنان. هذا ما استشرفه فيصل أن إغتيال الشيخ بشير لن يريح أي رئيس سيتولى السلطة من بعده حتى ولو كان الشيخ أمين. كانت صدمة فيصل عاطفية بالتأكيد لكن وقع الصدمة كان أقسى وهو يسأل نفسه “وين رايح البلد؟” وحصل المتوقع، يا للأسف.

 إنهار الجبل؟

إنهار الجبل على رؤوس الجميع. عندما كانت ترّوج اسرائيل لحرب الجبل كان فيصل يدور في القرى ويقول لأهلها “يا جماعة شو بكن ما مبارح كنتو صحاب!!؟ شو صار بيناتكن؟” وهذا ما كتبته في كتابي عن فيصل، فالاسرائيلي كان يدخل الى بيت الدرزي ويقول له “جارك اشترى سلاح وبدو يقتلك” ويذهب الى بيت المسيحي ويكرّر الكذبة ذاتها، بينما الحقيقة  أنه هو الذي كان يوزع السلاح للطرفين ويفتن بينهما. هذه أحداث ذكرتها بالوقائع والتواريخ في الكتاب الذي سيصدر في غضون شهر تقريبًا وسنقيم حفل التوقيع في شهر كانون الأول.

كان فيصل يرى الصورة واضحة أمامه تظهر مدى التآمر على لبنان كي لا يعود ويقف على رجليه.

كل ذاك الحراك الذي كان يقوم به كان يرى بأم العين أن الأمور لا تسير نحو الخير ولن تنتهي على خير. لذلك خاض الانتخابات الأولى بعد عودتنا من قبرص بعد التهجير ثم خاض الانتخابات الثانية وقال ” يسلموا إيديكن ما بقا بدي انتخابات” أدرك أنه ليس رجل تلك المراحل… مراحل الوصايات!

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل