Site icon Lebanese Forces Official Website

مشاهد من شريط العمر

لا يزال المشهد واضحاً في ذاكرتي كأنه حصل قبل شهرين، بعد ظهر الأول من تموز 1978 كنت أتسكّع في شوارع الأشرفية شبه الخالية، متقصداً المرور تحت شرفة شابة لأحظى ربماً بموعد أو بدعوة لتناول كوب عصير تحت نظر والدتها. فوجئت بحاجز سوري طيّار قبل أمتار من “البنك اللبناني للتجارة” (لجهة الـABC) يوقف سيارة أميركية بيضاء ويطلب من سائقها الترجل لفتح الصندوق. كأني سمعت السائق يقول: الصندوق مفتوح. فيصرّ العسكري على السائق أن يفتح بنفسه الصندوق. لم يكن السائق سوى بشير الجميل. ترجل بثياب سبور. كان جامد الملامح وواثقاً من نفسه. لحظات وصعد في السيارة خلفه جندي سوري. وتوجهت السيارة صوب برج رزق. لحظات وتواريتُ في مفرق مستشفى كرم. كنت لوحدي في الشارع. أو هكذا ظننت. ركضت إلى بيت “الكتائب” الأشرفية وكان خبر توقيف الـ”باش” قد سبقني.

لم تتأخر الحرب. حرب المئة يوم. كان بشير بيننا. لم يقد المواجهة مع جيش النظام السوري من ملجأ حريز بل متنقلاً بين المواقع المستحدثة متحدياً القصف العنيف وأذكر جيداً أنه عمم على كل المقاتلين، وبينهم العديم الخبرة والمتمرّس وضع الخوذ على رؤوسهم للحد من الإصابات في الرأس. وكانت رؤوسنا حامية.

من منا لم يلتق “الباش” يتناول سندويش شاورما في مطعم صغير (افتتحه شقيق جورج فريحة) قرب زهرة الإحسان أو يركب دراجة في اليسوعية أو يحتضن والد شهيد؟ كنا نحبّه لأنه منا ولنا ولو من دون معرفة شخصية. قائد شجاع يتكلم لغتنا. لغة الصدق.

داومنا لسنوات على حضور لقاء الثلثاء في بيت “الكتائب” الأشرفية. اذكر تماماً قوله بعد اغتيال أبو حسن سلامة “يا شباب خسرنا باغتيال أبو حسن مفاوضاً فلسطينياً منفتحاً وشببلك. ومعه بدأنا مساراً جيداً. فعلاً خسارة”. وبُعيد حادثة أهدن أبدى أسفه لوجود طوني فرنجيه في دارته وأن العملية لم تكن تستهدفه. وقد وصف الراحل بـ”رفيق درب.”

وقبل ثوانٍ من الجريمة الكبرى (14 أيلول 1982)، كنت واقفاً على المفرق المؤدي إلى “بيت الكتائب” بانتظار بوسطة عين الرمانة متوجهاً إلى الشعبة الخامسة في المجلس الحربي حيث أعمل. وقع الإنفجار. هرعت مع المئات. راقبت الوجوه الواجمة. بعد وقت أخرج أحد المصابين مغبّراً ولوح بيده. ظننته الرئيس بشير الجميل. وهكذا ظن آخرون. نزلت إلى المجلس الحربي وقلت إني رأيته خارجاً معافى. وكدت أقسم اليمين. قال لي أحد المسؤولين: كل من روى هذه الرواية قبلك أقتيد إلى جهاز الأمن كي يستفسر منه إيلي حبيقة حقيقة ما رأى. عندها قلت: لم أرَ شيئاً. وواقع الأمر أن أحد الناجين لوح بيده كما كان يلوّح بشير لمحبيه.

سكن فينا. في أحاديثنا. في يومياتنا النضالية يوم كان للنضال معنى حقيقياً وناصعاً وحتى في المرويات الطريفة وهذه واحدة. بعد حرب زحلة إنتقلت ضمن فريق الشعبة الخامسة إلى المجلس الحربي. إلى مكاتب جديدة وبسيطة. كان صيفاً لاهباً. جلستُ إلى آلة الدكتيلو لأحسن ضربي على هذه الآلة. وضعت ورقة وبدأت بطبع موضوع إنشائي طريف. “الحرارة تشوي (…) هنا في هذا المكان القائظ. (….) الساعة التي تم وضعنا في هذا الفرن. وتابعت كتابة الشتائم للمجلس الحربي على سبيل التمرين فقط وإذ بيد تربت على كتفي وأسمع صوتا “يعطيك العافية كمّل شغل” شعرت بارتباك لا مثيل له. قويت ضربات قلبي. تغيّر لوني. إنه قائد “القوات اللبنانية” بشير الجميل فماذا لو قرأ سطرا مما كتبت!

في CANTINE المجلس الحربي، أولم قائد “القوات اللبنانية” لفاعليات زحلة ونوابها عقب حرب الـ1981. يومها شرب النائب الياس الهراوي “كأسين زيادة” ألقى كلمة نارية أشاد فيها بالقائد الشاب ورفع نخبه “كأسك يا شيخ بشير وكأس البطن الذي حملك” كنت أسجل كلمة سعادة النائب على مسجلة صغيرة طلبني “القائد” وقال حرفياً “جبلي الكاسيت لإنو إذا وصلت للسورييي بيحطوا الهراوي بالصندوق”.

وفي الـCANTINE كان يتناول الغداء مثله مثلنا مثل أي رفيق. وغداء الملوخية لا يفوّت. كنا ذات يوم ثلاثة نتناول غداء الملوخية مسعود غاوي وفادي حايك وأنا. كنت غاطساً في صحني وقف رفيقاي ليسلما على أحدهم. لم أنظر إلى المتطفل على غدائنا. رفعت نظري قليلاً فوجدت يداً ممدودة لمصافحتي والملعقة في يميني. إبتسم. صافحته. وتابعت “الملوخية” باهتمام زائد.

تعرفون عن بشير أكثر مني. وتعرفونه أكثر. ما أعرفه أنه سكن أحلامي بالوطن الحلم. وقضى عليها.

Exit mobile version