كيف يتذكر أسعد سعيد بشير الجميل وهو الذي رافق مسيرة “القوات اللبنانية” من بدايات 1975 ـ 1976 حتى اليوم؟ مستشار رئيس الحزب سمير جعجع للشؤون التنظيمية اليوم بدأ مقاتلاً في المركز 104 في فرن الشباك بعد خبرة قتالية اكتسبها من خلال انخراطه في التجنيد العسكري الإلزامي لطلاب المدارس في الصفوف الثانوية قبل بداية الحرب. من المركز 104 انتقل الى المجلس الحربي ليتعرف الى الشيخ بشير. عن تلك البدايات يتحدث أسعد سعيد. عن المجلس الحربي القديم في تشكيله وانتظام هيكليته. عن بشير الجميل القائد والمتدرب الى جانب المقاتلين في مخيم أمز. عن المعارك وعن تكوين الوحدات القتالية واحدة بعد أخرى. هو الذي ترقى في المناصب حتى صار نائب رئيس هيئة الأركان العامة، يستعيد بعض تلك الصور وصولاً الى خلاصة أن “القوات” مرت في خضات وأزمات وأن الشيخ بشير طلع معو حق وكان في مين يكفي بـ”القوات” وعم يكفي.
كنت في مدرسة الفرير في المون لاسال وكان معي في الصف فؤاد أبو ناضر والياس الزايك. كنا في صف العلوم الاختبارية. معرفتي بالشباب كانت معرفة صداقة ورفقة مدرسية. كان ذلك في العام 1973. عندها عرفت أن فؤاد هو إبن بنت الشيخ بيار الجميل وأن الشيخ بشير خاله. بقيت العلاقة طبيعية وغير حزبية لأنني لم أكن منتسبًا الى حزب “الكتائب”.
بعدما أنهيت الـ Terminal التحقت بالتجنيد الإجباري أو الخدمة العسكرية الإلزامية في الجيش اللبناني. عندما انتهيت من هذه الخدمة كانت بدأت أحداث الحرب في العام 1975. كان لا يزال أمامي شهران من الخدمة عندما حصلت حادثة عين الرمانة في 13 نيسان ذلك العام. عندما انتهت الخدمة كانت المعارك العسكرية أخذت تشتد. سألت عن مكان يمكن أن ألتحق به. كان هناك مركز لحزب “الكتائب” قرب منزلنا في فرن الشباك. مريت على المركز والتقيت بالشباب فسألتهم إذا كانوا في حاجة للمساعدة وأبلغتهم أنني انتهيت من خدمتي العسكرية الإلزامية وأريد أن أساعد. كان لدي قطعة سلاح في المنزل. عندما بدأت الحرب كان عندي قنينة غطس فاستبدلتها بهذه القطعة من أحد المخيمات الفلسطينية. أخذوا القنينة وأعطوني بندقية سلافيا.
هكذا بدأت الخدمة في القسم وشاركت في مهمات على مختلف الجبهات في عين الرمانة وتل الزعتر. وخلال هذه المرحلة شكلنا فرقة سميناها “مجموعة الـ 104” نسبة الى رقم هاتف كان ينتهي بهذه الأرقام وكان مركزنا في شارع سيدة المعونة.

بدأنا ندرب الشباب. اتصالي بفؤاد والياس كان متقطعًا. بعد الحرب لم نعد نلتقي. أحد الأيام طلب من مجموعتنا المساعدة في صد هجوم على محور الطيبة. كنت على رأس المجموعة. توجهنا الى بيت كتائب الأشرفية للتزوّد بالذخائر. وصلنا. طلبنا الذخيرة. وإذ بي ألتقي بفؤاد والياس. سألاني: أنت كتائبي؟ قلت لهما: نعم. عادت بي الذاكرة الى أن فؤاد إبن بنت الشيخ بيار. “كيفك؟ شو عم تعمل؟” قلت لهما إنني مع المجموعة 104 وأننا نخدم على الجبهات. وافترقنا. ما عدنا التقينا إلا بعد أسبوعين تقريبًا. كانت حصلت إشكالات داخلية بين المركز وبين القسم. أتى فؤاد وقال لي: بدنا نقعد. كنا في المجموعة عدة شباب من الجامعات ومدربين تدريبًا جيدًا. سألني فؤاد: شو قولك إذا بتنزل معنا عالمجلس؟ كان صار في المجلس الحربي بالكرنتينا. كان لا يزال في بداية التأسيس في آواخر العام 1975. نزلنا. عرّفوني على الشيخ بشير. قال له فؤاد: أسعد من التلاميذ اللي كانوا معي بالمدرسة وحابين نجيبوا معنا.
لم تكن المرة الأولى التي أنزل فيها الى المجلس. كنا ننزل سابقاً من أجل المشاركة في مهمات عسكرية خصوصًا على جبهة الأسواق. ولكن كانت المرة الأولى التي أنزل فيها مع فؤاد. عندما كان الشيخ بشير لا يزال في بناية “السوكوماكس” أو في بيت الكتائب كان يطلب دعمًا من المراكز وكنا نشارك وكنا نتلاقى مع الشباب فؤاد وفادي فرام وطوني كسرواني وكمال كركور وغيرهم. لما صار الإشكال بين القسم وبيت الكتائب وبعدما قال لنا الشيخ بشير “بدي ياكم تصيروا معي”. نقلنا وصرنا بالمجلس.
تعرفنا على الشيخ بشير أكتر وأكتر. في اللقاء الأول وبعدما عرّفه فؤاد علينا رحب بنا. كنت مسرورًا مع الشباب لأننا التقينا بشباب كانوا معنا في المدرسة ومع غيرهم من مدارس الحكمة والجمهور ومن الجامعات. كان بشير يفكر بتوسيع الدائرة المحيطة به وخلق نواة من الكادرات حوله الذين تسلموا لاحقاً مسؤوليات في المجلس الحربي و”القوات”. هذه النواة سميت في البداية “مجموعة العمليات” (Groupe Operationnelle) واختصارًا أطلقت عليها تسمية “GO”.
صورة المجلس الحربي في ذلك الوقت لا أزال أتذكرها. المدخل الأساسي حيث المكاتب كانت هي ذاتها لاحقاً. الباحة الداخلية كانت سابقاً مخصصة للمسلخ. في الساحة المطلة على الحوض الرابع كان هناك مبنى قديم قرميد كان الـQuarantène. الكرنتينا حيث كانت تحجز المواشي لفحصها والتأكد من صحتها قبل نقلها الى المسلخ الذي صار لاحقاً الشعبة الرابعة والمستودعات. نحن كنا في المجلس الذي كان في السابق قيادة سلاح البحرية، أول سلاح بحرية في “القوات” بقيادة روجيه داغر وألكسندر أنانوف. كان لديهم طراد خشب قديم اسمه L’Espoir خضع للصيانة وتم استخدامه كأول طراد لسلاح البحرية في المجلس.

مكتب الشيخ بشير كان عند المدخل الرئيسي في الطابق الثاني. كان يوجد مكتب صغير للسكرتاريا قربه كان فيه جان بسمرجي ونبيل أبو متري وأنيس ربعمد، بعد ذلك صارت إيزيس وفريق العمل الجديد.
وسعنا المجلس وطورنا فيه وأضفنا عددًا من المباني. فهو في الأساس كان مبنى قديمًا يستعمله الجيش الفرنسي خلال مرحلة الانتداب. بناء من حجر قديم رملي. في تلك المرحلة أيضًا كان بطرس خوند حاضرًا دائمًا في المجلس. منذ دخولنا كان. كان الشيخ بشير يناديه “ريِّس بطرس” ونشأت علاقة ممتازة جدًا بيننا وبين بطرس. لم يكن مسؤولاً عنا مباشرة ولكن كان يعتبرنا مثل إخوته الصغار لأنه كان أكبر منا وصاحب خبرة أوسع وتجربة أكبر.
صرنا عايشين تحت. عشنا بالمجلس. فؤاد كان يتابع اختصاصه في الطب. كان يذهب الى الجامعة ويعود، وعندما يحصل استنفار كان يبقى. الآخرون أيضًا. إيلي حبيقة وأنا كنا عايشين تحت. كانت توجد غرفة عمليات تحت الأرض كنا عايشين فيها. وكان الشيخ بشير يأتي لعندنا كل يوم ويبقى معنا أحياناً في المساء. كنت لا أزل أتابع دراستي وأدرس تحت. الغرفة كانت موجودة سابقاً ثم أدخلنا عليها تحسينات وإضافات: غرفة للإشارة وحماية. لم تكن هناك سابقاً أي إجراءات حماية من القصف. عندما حصلت حرب المئة يوم أخلينا المجلس كله وانتقلنا الى شركة الكهرباء تحت الأرض. بقيت مجموعة صغيرة فقط في العمليات. أربعة أشخاص تقريبًا وأنا من بينهم وبقيت بعض المجموعات التي كانت في محيط المجلس. الشرطة المدنية مع ديب أنستاز، المغاوير مع جو إده، وجورج شعنين في قسم المدوّر.
هيدا كان المجلس. Structure متواضعة. الشعبة الأولى والثانية والثالثة والرابعة والخامسة. الأولى كانت بدأت تستلم العديد. الثانية كان مسؤولاً عنها رفيق من بيت كرم ثم استلمها غابي توتنجي. الثالثة استلمها إيلي حبيقة وكنت أنا نائبه. كانت تسمى مكتب التدريب والتنظيم. الرابعة كان فيها حبيب خوري.
بعد ذلك بدأنا إنشاء الوحدات القتالية: المغاوير، أدونيس، بيروت التي شكلت نواة العسكر الفعلي. في البداية كان المطلوب خلق وحدات مركزية بالإضافة الى القوى في المراكز والأقسام. هذه المجموعات كانت اكتسبت خبرات عسكرية وقتالية متقدمة وتمكنت من القيام بعمليات داخل مناطق العدو في معركة صليما مثلاً. فرقة الـ”أس. كا. أس” كانت صارت موجودة أيضًا وشاركت في العمليات. حصلت أيضًا مشاركة في معارك تل الزعتر وشكا والكورة والكرنتينا. كان الشيخ بشير يتابع تطورات الوضع العسكري وكان يريد أن تكون هناك قوات مركزية، فبدأ يجمعها من كل المناطق. لما عدنا من معارك الشمال كانت اتضحت صورة بناء هذه القوات لديه. ألغى فرقة الـ”أس. كا. أس” وسلّم “عباس” ثكنة أدونيس التي كانت أول ثكنة مركزية ضمن تشكيل لفيف تكتي تضم مشاة ومضاد دروع بالقدر الذي كنا نملكه، أعتقد صاروخ ميلان واحد، ومدفع 106 ومدفع ب10 ودبابات “تشرمن” التي كانت تشترك في القتال ليس كسلاح مدرعات مستقل بل ضمن هذا التشكيل القتالي وهذه المجموعة التكتية. مجموعات المشاة بدأت تتزوّد بملالات أم 113. وحدات المغاوير لم تكن لديها في البداية إمكانات، وحدات أدونيس وإن كان لديهم المستوى القتالي الممتاز نفسه. بعد ذلك صارت مثلها لتشكلا معًا أول وحدتين قتاليتين كاملتين تدريبًا وتجهيزًا.
هذه التجربة المركزية نقلها الشيخ بشير لاحقاً الى المناطق كلها. في عين الرمانة صار هناك قوى مركزية. في الشمال صارت هناك قوة مركزية بقيادة الدكتور جعجع، وهكذا أيضًا في المناطق الأخرى. تمت كودرة الجميع وعملنا دورات آمري حضائر وآمري فصائل وآمري سرايا من أجل تكوين هرمية عسكرية قتالية كاملة ترافقت مع تطوير هيكلية المجلس الحربي القيادية. صارت هناك هرمية حقيقية منتظمة في عملها وكادرها البشري المحترف.

بعد توحيد البندقية في 7 تموز 1980 وتوحيد القوات، صار لدينا إمكانات بشرية وعسكرية أكبر وصارت وحداتنا كلها تتسابق نحو الأفضل خصوصًا بعد انضمام الكادرات الأساسية من “الأحرار” و”حراس الأرز” و”التنظيم”.
عملية الدمج كانت واضحة بعد توحيد البندقية. كان الباب مفتوحًا لكل من يريد أن ينضم الى “القوات اللبنانية”. انعملت مخيمات تدريب لاستيعاب العناصر الجديدة من أجل كودرتها في الهيكلية العسكرية الجديدة وإخضاعها لتدريب مشترك من أجل الوصول الى عقيدة قتالية واحدة.
من “حراس الأرز” مثلاً صار معنا كيروز بركات أميناً لسر الأركان، وجاك خيرالله قائد سلاح الإشارة. من “الأحرار” استلم جيلبير غسطين الشرطة العسكرية. صارت عندنا مخيمات تدريب كبيرة خصوصًا في أمز.
أراد الشيخ بشير أن يشارك شخصيًا في هذا المخيم. مش إنو عندو خيمة فوق. بدو يشارك بالتدريب كباقي العناصر. قال إنه يريد أن يتدرب. قلت له: شيخ بشير بدك تتدرب، بدك تكون متلك متل الشباب. قال: طبعًا. احسبني عسكري متل هالشباب. كان قد تدرب سابقاً. والشباب أيضًا كانوا كلهم تلقوا تدريبات سابقة ولكن عملية جمعهم في هذا المخيم كانت لإعطائهم تقنيات قتال موحدة وحديثة.
في هذا المخيم تم التقاط صورة الشيخ بشير الشهيرة حاملاً بندقية الـ”كال” على ظهر الملالة وعلى صخرة في طبريه وفي مخيم أمز. سألني: مين معك؟ أي مجموعة؟ قلت له: معي مجموعة أدونيس. قال: بدي إتدرب معكم. شو عندكم؟ قلت له: عنا قتال ليلي ومارش. بدأنا الجولة التدريبية. عندما يقف آمر المجموعة على الذين وراءه أن يركعوا. وعندما يركع عليهم أن ينبطحوا أرضًا. خلال التمرين وقف آمر المجموعة. ركعوا. تاني مرة ركع. انبطحوا. كان الشيخ بشير قرب قناة للمياه انبطح فيها. طبيعي. لما طلع وخلص وكانت المسيرة ماشية عطش. أخذ مطرة المياه ليشرب. وشرب ورد المطرة. قلت له: هذا الأمر مخالف. لا يمكن أن تشرب من المطرة وتردها ناقصة. إما أن تشربها كلها أو تعطيها لرفاقك ليشربوا منها حتى تفرغ لأنه خلال القتال يمكن إذا كانت نصف فارغة أن تصدر صوتاً وتكشف تحرك المجموعة. ما في مطرة ناقصة. يا متلانة يا فاضية. شرّب الشباب حتى فضيت المطرة. في اليوم التالي اختار مجموعة ثانية لتيدرب معها وهكذا دواليك. كان يتقبل التعليمات بروح رياضية وليس بروحية القائد العام. كان يشارك الشباب في كل شيء. في التدريب والأكل والمنامة.
في تدريب القتال الممكنن شارك أيضًا وكانت صورته على ظهر الملالة. كنا انتهينا من الجولة وعادت المجموعة للاستراحة. جلس الشيخ بشير على ظهر الملالة وتم التقاط الصورة له.
شارك في عمليات قتالية على جبهات الأسواق. وفي عملية صليما بينما كنا نتقدم في الأحراش كان يواكب العملية على الأرض مع مجموعة من الـ”أس. كا. أس” وكان معه سيارة رانج روفر وقد تعرضوا لإطلاق نار بالمضادات بينما كان ينتظر إزالة الألغام عن الطريق للتقدم.
في حرب المئة يوم كان يصر على القيام بجولات في الشوارع يسأل عن الناس ويسلم عليهم لإعطائهم المزيد من المعنويات للصمود. مرة واحدة اضطر لمغادرة الأشرفية. خرج بواسطة زورق صغير من الحوض الخامس وهناك صورة تجمعه مع الرئيس شمعون قبل المغادرة. غاب يومين تقريبًا وعاد الى الأشرفية.
عملية إعادة توحيد البندقية لم تستلزم وقتاً طويلاً. كان الرئيس كميل شمعون رجل دولة كبير. تقبل ما حصل وطلب إكمال النضال. كان واعيًا لحجم ما يتعرض له المسيحيون وحجم المسؤولية الملقاة على “القوات اللبنانية”، لذلك طلب الاندماج الكامل.
عندما بدأت عملية الدمج كانت كاملة. لما صار هناك “بادج القوات” الذي يجمع الكل لم تعد هناك أية مشكلة. على العكس أعطى كل ذلك دفعًا أكبر للشباب الحزبيين وغير الحزبيين ليلتحقوا بـ”القوات” وصارت “القوات” تكبر وتقوى. صار هناك أيضًا شعار واحد وموازنة تشمل كل الأحزاب المسيحية وهيكلية عسكرية كاملة. لم يعد هناك “كتائب” و”تنظيم” و”أحرار” و”حراس”، صار في “قوات”.
حرب زحلة كانت مهمة كثيرًا. كانت لدينا المجموعة الموجودة بشكل دائم في زحلة وكان لدينا هاجس أن نبقى على اتصال دائم معها. هذا الاتصال كان يتأمن من خلال غرفة عمليات خاصة يتأمن فيها دوام كامل. كانت الغرفة الأساسية في ثكنة المدفعية في الأشرفية. استطعنا عبر وسائلنا الخاصة تأمين خط هاتف مباشر مفتوح بشكل دائم مع قيادة “القوات” في زحله. كان الشيخ بشير يريد أن تتقسم المسؤولية على عدد من الأشخاص. كان فؤاد أبو ناضر وطوني بريدي وعباس ومسعود الأشقر وأنا. خمسة. دائمًا كان أحدنا على التلفون مع المجموعة في زحله. ميكرو مفتوح مع قيادة زحله. الياس الزايك، جو إده، جوزف الياس. وكان الشيخ بشير يتابع ساعة بساعة التطورات وكأننا في زحله مع القيادة. هكذا أيضًا تابع وراقب انتقال الدكتور جعجع مع مجموعة الشمال الى زحله وتعرضهم للقصف واستشهاد بعضهم على الطريق. رجعنا جمعنا الذين أصيبوا في الليل. كان يريد أن يعرف كل ما يحصل على كل المحاور. في كل دقيقة كان يجب أن نظل حاضرين لإعطائه جوابًا عن أي سؤال يطرحه حول الوضع في زحله لمواكبة الوساطات لحل الأزمة حتى عودة المجموعات المركزية الى المجلس الحربي.
بعد معركة زحله مباشرة بدأ التحضير لمعركة الرئاسة. أجريت دورات أركان وقيادة وبدأنا نعيش جو وصول الشيخ بشير الى قصر بعبدا خصوصًا أن الرئيس الياس سركيس كان وصل الى نتيجة أن الشيخ بشير هو الذي يمكن أن يخلص لبنان. وكان الشيخ بشير استعان بمجموعات شكلت فرق عمل في كل الاختصاصات والمجالات السياسية والإدارية والمعيشية والاقتصادية. بدأنا نعمل في سباق مع الوقت. طلب من قسم من المجموعة العسكرية القيادية المشاركة في اللقاءات السياسية حتى لا نبقى بعيدين عن أجواء ما يتم تحضيره. بعد انتخابه تكثفت الاجتماعات في منزله في بكفيا وفي المجلس الحربي. كان لديه هاجس إظهار صورة “القوات” الحقيقية، وأن “القوات” مش بس حزب، “القوات” تنظيم وتخطيط وبناء دولة ومجتمع. رفض الشيخ بشير المشاركة في العمليات العسكرية الإسرائيلية خصوصًا لجهة الدخول الى بيروت. كان يدرك أن المرحلة اللاحقة تتطلب إعادة جمع لبنان واللبنانيين.
في جلسة الانتخاب كنا في المجلس الحربي. ومتل كل العالم عندما أعلن الرئيس كامل الأسعد انتخاب الشيخ بشير رئيسًا للجمهورية كانت فرحة لا توصف.
قبل انتخابه أصبح فادي افرام قائدًا لـ”القوات” وقد طلب الشيخ بشير من “القوات” الاستعداد للمرحة المقبلة. قسم منا كان سيعود الى حياته المدنية وقسم كان مقررًا إلحاقه بالجيش. قال لنا: بدكم تكونوا حاضرين لكل الاحتمالات. المسؤولية صارت على الدولة. نحن حملنا السلاح وحاربنا لما كانت الدولة غائبة. اليوم الطبيب سيعود الى مهنته والمحامي والمهندس أيضًا ومن يرغب بالاستمرار في امتهان العمل العسكري سيكون مكانه في الجيش. دفعنا ثمناً غاليًا من أجل بناء الوطن وهذه المهمة ستستمر اليوم بطريقة مختلفة. لم يفكر أبدًا بنقل “القوات” كما هي الى الجيش أو الى الدولة. لم تكن لديه مشكلة في أن تصبح “القوات” ضمن تركيبة الدولة ولكنه كان حريصًا على أن يبقى “العرين” (tanière) الذي حمته “القوات” حصينا.
عند اغتياله كنت في المجلس الحربي. سمعنا صوت الانفجار. سألنا: شو صار؟ عرفنا أن الانفجار في بيت الكتائب. طلعنا. وين الشيخ بشير؟ ما حدا يجاوب؟ كان جوا؟ إيه كان جوا. طلع معي كيروز بركات بلشنا نساعد برفع الردم حتى طلع زقيف وصريخ: طلع الشيخ بشير. طلع الشيخ بشير. في الواقع كان ريمون أسايان الذي خرج يغطيه الغبار واعتقدوا أنه الشيخ بشير. نزلنا على أوتيل ديو طلعت الخبرية كذب. رجعنا على بيت الكتائب وكانت عمليات إزالة الركام مستمرة حتى تم العثور على الشيخ بشير. كان الانفجار فوقه مباشرة. عرفناه من البدلة التي كان يرتديها. كانت المسألة واضحة.
كانت صعبة تكفي “القوات” بعد بشير؟ هو كان يقول إذا ما طلع بعد مني 70 بشير بلاها “القوات”.
أظهرت التجربة أن “القوات” مرت بخضات وأزمات، ولكن طلع الشيخ بشير معو حق. كان في مين يكفي بـ”القوات”. وعم يكفي.