#adsense

إيلي نجار: طلع الانفجار طرت وصرت صلّي… قبَّل بشير ابنتي الصغيرة وتذكرت مايا

حجم الخط

لم يبق من بيت الكتائب في الأشرفية إلا لائحة علّقت عليها أسماء 24 شهيدًا علقوا على خشبة الشهادة مع الرئيس بشير الجميل، فخامة الحلم الضائع. لن تجد من ذاك البيت حجرًا على حجر، لن تجد الا غبار الذكريات معلّقاً على شجر ينحني يظلّل المكان كأنه يحتفل برتبة دفن “جمهورية الباش” يوميًا على أمل قيامتها من جديد.

خلف مسرح الجريمة الفاجعة عاد وارتفع شعار “الكتائب” في المبنى المجاور وأقيم مركز جديد ليبقى حارس الذكرى. في هذا البيت وتحت صورة الرئيس بشير الجميل وعلمي لبنان والكتائب يجلس شيخ ثمانيني بكامل جهوزيته متأهبًا لاستعادة اللحظات الأخيرة التي عاشها مع الباش قبل ان يستشهد ويأخذ معه أحباؤه وأولهم هيام أم أولاده الثلاثة.

إيلي النجّار عندما يتذكر يرتجف، يغضب، يبكي…. ويروي كيف قام من بين الردم وعاش ليشهد.

يبادرك إيلي النجّار فورًا “أنا “المشاكس” هيك بيقول عني الحكيم، لأني ما بسكت عن شي” ويرسل تحية لمن أكمل المسيرة بعد استشهاد قائدها الأول أمامه.

كيف مرّ ذاك الثلاثاء الموافق في 14 أيلول من العام 1982؟ تتوجه بهذا السؤال الى “المشاكس” القديم فيرد فورًا ” ما كنت خلّي الشيخ بشير يروح لمطرح من دون ما روح معو. منشان هيك كانت خسارتنا كبيرة يوم التلاتا اللي اجا فيه ليحضر الاجتماع اللي معودين عليه بالمنطقة. كان يومها رئيس المنطقة الرفيق جان ناضر اللي استشهد معو ومات معو المحامي فؤاد ابي نجم وروجيه الشمالي اللي عرّفته عليه وكان عم يشتغل برا. 24 رفيق راحوا معو واسماؤهم على التابلو برا.

بتذكرو يومها كان فايت ولابس”السهاريين” الأزرق عم يبرق برق، قمت قلتلو “شو هيدا يا باش جاييي تاخد “بوزيت” علينا اليوم؟ يا عمي انت بأحسن حالة!!!” جاوبني ” يا ريّس إيلي دايمًا بتستلمني..!!” قلتلو “ومين عندي أعزّ منك استلمو؟!!”.

دخل الرئيس بشير الجميل يومها الى الإجتماع الدوري في بيت “الكتائب” وتوجه الى مقعده على طاولة الاجتماعات. كان آتيًا من مستشفى الجعيتاوي بعد زيارة والدة زوجته السيدة صولانج توتنجي الجميل المريضة. وقبلها كان تناول الغداء على مائدة راهبات الصليب في جل الديب اللواتي تترأسهن عمته الراهبة أرزة الجميل. تابع الريّس إيلي زيارات الباش قبل أن يصل الى الأشرفية، وسبقه الى المركز للاشراف على التحضيرات ومعه زوجته هيام. يكمل النجار البحث في الذاكرة ويروي “كانت زوجتي قاعدة بالصف الأمامي، اتطلع الباش حواليه شاف بنتي رانيا، كان عمرها 4 سنين وما كانت جايي مع أمها جابوها بيت كرم معهن. قرّب منها الباش وحملها (وتبدأ الغصّة تخنق النجّار) قال لها “رانيا شو جايي تعملي هون؟” ردت عليه “جايي اسمع حكياتك الحلوين؟” ساعتهاحط راسو عا رقبتها وباسها وشفت الدمعة بعينو… عرفت أنا ليش دمّع دغري، لأنو تذكّر بنتو مايا!. مايا الشهيدة الزغيرة!!”.

جلس بشير الى مقعده وبدأ حديثه بالطبع عن مستقبل الجمهورية والعهد الجديد الذي يخطط له ليجمع كل اللبنانيين تحت سقف الدولة وبقيادته. ومما يذكره الريّس إيلي أن الباش وفي سياق مقدمة الحديث عن تقبّل المعارضين له كرئيس لكل لبنان ضرب لهم المثل “بس شافوا ولاد الشيخ بشارة الخوري تمثال والدهم قالوا هيدا ما بيشبه بيّنا،بس مش مشكلةبكرا منتعوّد عليه. هيك في لبنانيي ما رح يعجبهم بشير بس رحيتعودوا عليّ خلال رئاستي”. ضحكنا كلنا وكانت هيدي آخر ضحكة.

كان قاعد بشير على النص، وحدّو جان ناضر وع شمالو فؤاد ابي نجم وساسين كرم وانا. بس قبل ما اقعد مطرحي، كنت دايمًا قبل ما يبلش يحكي بشيراتطلع اذا بدو شي، يومها اتطلّع فيي وفهمت انو بدو شي، فـ قمت من خلف جان ضاهر وقدمت لعندو، قلّي ” بدي ياك تقول لصاحبك روجيه الشمالي يقدم لقدام” يعني يقعد بالصف الأمامي. فـ رحت عند رئيس قسم مش ذاكر بقا شو اسمو وقلتلو “عم يطلب مني بشير انو قعّد المهندس روجيه الشمالي قدام” ف رد دغري ” ايه انا بقوم”. طلبت ساعتها من روجيه يقرّب ما كان يقبل، فقلتلو “ولو الباش بدو ياك قدّام” وهيك صار هو قعد بالصف الأول وصاحب الكرسي رجع لورا. ما لحقت جيت بدي اقعد على كرستي، طرت. طلع الانفجار. جيت بغرفة جان ناضر، عرفتها من ورق الجدران على حيطانها. كانت الكهربا بعد ما انقطعت، كان السقف هابط وعامل خيمة عليي. تغطيت بالبحص والرمل. وعم اسمع عياط وصريخ… وانا صلّي. سمعت ناس عم يقوصوا ويصرخوا انو الباش خلّص. للحقيقة اخدت شوية معنويات، بس تذكرت انو مرتي وبنتي جوا، ورفقاتي كانوا حدو. راحت الكهربا ما عدت شفت شي بس عم اسمع شخير ناس عم يموتوا، وانا عم صلّي. ضليت صلّي من الساعة 4 و12 دقيقة للساعة 12 بالليل حتى قدروا سحبوني. ساعتي وقفت وانكسرت عالساعة 4 و12 دقيقة. سحبني الله يرحمو ديب أنستاز. نقلوني على مستشفى أوتيل ديو، كنت مكسّر، بس أوعا من وقت للتاني شوف الدكتور إيلي كرامة والحكيم اللي عم يعالجني وارجع غيب عن الوعي. ودايما اوعا لاقي المؤسس الشيخ بيار عم يشقّ عليي. في نهار كان عم يشق عليي الرئيس كميل نمر شمعون وفؤاد البزري رئيس مجلس إدارة شركة الكهربا، لأني كنت رئيس نقابة موظفي كهربا لبنان. فات الشيخ بيار متل العادي مرسّم وفي المحرمة البيضا بجاكيتو. قرّب لعندي بدو يخبرني شو صار، وانا ببالي انو بشير خلّص من وقت اللي سمعت القواص وانا تحت الردم. كان جايي يخبرني الحقيقة، قلي “ريّس إيلي انت رجال، بدي خبرك: هيام ماتت، وبنتك رانيا بعدها بمستشفى الروم بس حالتها منيحة، ومات بشير!!”، انا رجفت متل كأن شي حيّة لدعتني وبرجع بقلُب عن التخت وبتكسّر عن جديد. وبصير صرّخ وصرخ…. وانا وعم ابرم لقيت فخامة الرئيس كميل شمعون مشنكل الشيخ بيار ومطلعو على بلكون غرفتي وغبت عن الوعي…”.

علاقة الريّس إيلي مع الشيخ بيار المؤسس كانت بدأت مذ كان النجار في سن الثالثة عشرة عندما كان يلبّي دعوات الشيخ بيار للمظاهرات ضد الانتداب الفرنسي ويتابع “كنت أهرب من المدرسة وانزل عساحة البرج ونلتقى الكتائب مع حزب النجادة برئاسة عدنان الحكيم ونتصادم مع السنغالية يلقطونا ويفوتونا عالحبس. لهذا انتسبت الى حزب “الكتائب” من عمر 13 سنة وما زلت. تدرّجت في مسؤوليات عدة في الحزب، من رئيس خلية مستخدمي كهربا لبنان الى رئيس القسم الثاني في الأشرفية ورئيس مصلحة الشؤون الاجتماعية… وكنت عضوًا في مصلحة بيروت مع رئيسها يومها بيار صايغ رحمه الله والد الوزير سليم الصايغ. وانا من الذين اقترحوا مبدأ المداورة في المسؤوليات الحزبية كي يصل الشباب الى المناصب القيادية ونضمن استمرارية الحزب”.

أما هيام الزوجة والشهيدة فيروي النجار أن بشير كان يطلب منها تنظيم المهرجانات “وما كان يعيطلا الا يا “ستنّا”ومش بـ إسمها!.

قال لها مرة: “بدي آخد إيلي معي على بعبدا، أوعا تجربي تتلفنيلو لفوق لأن لا هو رح يكون فاضي يردّ عليكي ولا أنا”. بنتي انصابت ونقلوها على مستشفى الروم. كانت بحضن إمها، خبرني دومينغو جعجع وقت اللي اجا بدو يسحب رانيا من إيد أمها ما كان يقدر يفكّها عنها قد ما كانت شادتها عليها بأيدها وبجهد جهيد سحب ايد رانيا من ايد أمها من تحت الردم.رانيا كانت واعية وعم تبكي وتصرّخ…  هيام دغري ماتت مع بشير.

كانوا ولادي زغار. صبي وبنتان، كانت رانيا زغيرتهم هلأ تجوزت وصار عندها 3 ولاد، وريتا كمان تجوزت وقاعدة بهولندا، وابني فؤاد تخرّج من الجامعة الأميركية وتخصّص ببوسطن بالمحاسبة….من بعد ما استشهدت هيام اضطريت اتزوج، واخترت صديقة هيام، ماري مادلين ربّاط، واشترطت عليها ما بدي ولاد وهي قبلت لأن ولادي تعلّقوا فيها هني وزغار، وهي متعلقة بولادي وولاد ولادي!

من بعد ما عرفت باستشهاد بشير ورجعت من المستشفى على البيت صرت اقرا بالجرايد تفاصيل اللي صار. وعرفت انو اختو لحبيب الشرتوني قاعدة بالبناية فوق مركز “الكتائب” وانو انكمش هو وراجع لعندها….”.

بقي الريّس إيلي يتابع علاج “جروحات” ذاك اليوم المشؤوم لأشهر لا بل لسنوات، ورانيا الصغيرة التي كتب لها ان تنبض وتكبُر خرجت من المستشفى تمسك بيد جدّتها هذه المرّة!

بعد أن ضاع الحلم واستشهد كل أولئك الأحباء الم تقل يا ريّس”شو بدي بهالبلد وشوطلعلي من “الكتائب”؟”، سؤال تفترض أنه سيفتح على نقاش مستفيض مع الكتائبي العتيق، إلا أنه وبصوت جهوري وحزم يصرخ فيك،”انا ما فتت على “الكتائب” تـ يطلعلي شي!!.

يا ضيعانك يا بشير!!”.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل