
عبّرت أوساط مطّلعة في بيروت عبر «الراي» عن اقتناعها بأن زيارة رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون للبنان، الذي يُعتبر «بلد النزوح الاول» قياساً الى مساحته وعدد سكانه اذ يستقبل نحو 1.5 مليون لاجىء يشكّلون نحو ثلث سكانه، تأتي في إطار الاستراتيجيات التي تحاول دول الاتحاد الاوروبي وضْعها لمواجهة أسوأ أزمة لجوء تشهدها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
ولاحظت هذه الأوساط ان كاميرون، الذي تفقّد احد مخيمات النازحين السوريين في البقاع قبل ان يعاين برفقة وزير التربية اللبنانية الياس بو صعب، عدداً من المدارس الرسمية التي تستقبل لاجئين في ساحل المتن الشمالي ويلتقي بعض اللاجئين الذين سيجري توطينهم في المملكة المتحدة، وصل الى بيروت قبيل اجتماع وزراء داخلية الاتحاد الأوروبي في بروكسيل لمناقشة اقتراحات المفوضية الأوروبية لإعادة توطين نحو 160 ألف طالب لجوء في أرجاء القارة، وكيفية توزيعهم على بلدان الاتحاد، وعلى وقع انتقادات تتعرّض لها بريطانيا على خلفية «القليل» الذي
تقوم به للمساهمة في استيعاب لاجئين على أراضيها واعلانها استقبال 20 الفاً فقط في السنوات الخمس المقبلة.
واعتبرت الاوساط نفسها ان محطة رئيس الوزراء البريطاني في لبنان ثم الأردن، والتي ترافقت مع اعلان لندن تعيين وزير خاص لشؤون اللاجئين السوريين، بموازاة بدء دول اوروبية عدة باعتماد سياسات متشددة لوقف تدفق اللاجئين وتعزيز الرقابة على حدودها، لها هدف مزدوج: الأول معاينة واقع النازحين في دولة النزوح الاول، في محاولة للوقوف على حاجاتهم، وتحسين مستوى معيشتهم حيث هم، عبر زيادة المساعدات المالية للدول والمجتمعات المضيفة، بما يجعلهم لا يفكّرون في «الهجرة» الى اوروبا. والثاني الردّ على الانتقادات لبلاده من خلال تأكيد ان بريطانيا هي ثاني أكبر متبرع للمخيمات في المنطقة، وتعهُّده «بضخ مزيد من الأموال لدعم برامج مثل تعليم الأطفال المتضررين من النزاع في سورية».
اما في ما خص العنوان الثاني لزيارة كاميرون اي الانتخابات الرئاسية في لبنان، فقالت الأوساط المطلعة لـ «الراي» ان اولوية قضية النازحين التي تحوّلت «مشكلة عالمية» باتت تضغط حتى على الأزمة السورية نفسها باتجاه وجوب الإسراع بتوفير ركائز للحلّ السياسي، يمكن ان تشكّل «محرّك دفْع» للملف الرئاسي اللبناني انطلاقاً من الحاجة الدولية الى تكريس الاستقرار السياسي والأمني في البلاد، بما يسمح للبنان بتمتين الارضية لاحتواء مشكلة النازحين على أراضيه، وتالياً منْع تمدُّدهم الى اوروبا تهديد استقرارها، مذكّرة بأن قضية اللاجئين، بالتحديد كانت هي المرتكز الذي حتّم ولادة حكومة الرئيس تمام سلام من ضمن «مهادنة» سعودية – ايرانية دفع نحوها المجتمع الدولي.
وبحسب هذه الأوساط، فان الفترة المقبلة والتي ستشهد اجتماع مجموعة الدعم الدولية للبنان في 30 الجاري على هامش اعمال الجمعية العامة للامم المتحدة، يفترض ان تتخللها اتصالات اقليمية ودولية في محاولة لإحداث خرق في الملف الرئاسي اللبناني ينطلق من الإجماع الدولي على اولوية الانتخابات الرئاسية، باعتبارها مدخلاً لحل الازمة السياسية في البلاد، وذلك رغم عدم اتضاح امكانات تجاوب طهران مع مثل هذا المسعى قبل اتضاح مسار الملف السوري ومصير الرئيس بشار الاسد.
وكان الرئيس سلام قال بعيد لقائه مع كاميرون في السرايا الحكومية: «سررتُ بالاستماع الى تأكيد السيد رئيس الوزراء لموقف بلاده الداعم للبنان والحريص على وحدته وسيادته، ومساندتها كل ما يعزز أمن بلادنا واستقرارها في ظل الأزمة السياسية التي نواجهها، والمتمثلة في الشغور الرئاسي، وفي ظل الاحداث المأسوية الجسيمة التي تجري في هذه المنطقة من العالم».
واذ اكد انه عرض امام ناظري البريطاني «العبء الهائل الذي يتحمله لبنان جراء وجود مليون ونصف مليون نازح سوري على أراضيه، خصوصا في ظل تراجع المساعدات الدولية»، لفت الى أن «مشكلة النزوح، التي وصلت اليوم الى قلب اوروبا، لن تتوقف عن التمدد إلا بالتوصل الى حل سياسي يوقف الحرب في سورية»، موضحاً «اننا اتفقنا على أن نجاح عملية التصدي للارهاب في المنطقة، يكمن في تقوية نهج الاعتدال والمعتدلين، وفي العمل من أجل إحلال سلام شامل».
بعدها تحدث كاميرون فأكد للرئيس «اننا ندعمك ونقف خلفك بما تقوم به ويجب انتخاب رئيس للجمهورية»، لافتاً الى أن «اللبنانيين استقبلوا السوريين وهذا يستحق دعم المجتمع الدولي»، ومؤكداً دعم بريطانيا للاجئين خلال السنوات المقبلة.
وسبق ذلك لقاء كاميرون قائد الجيش اللبناني العماد جان قهوجي في قاعدة رياق العسكرية، حيث كرّر التزام بلاده الشراكة مع الجيش اللبناني من خلال برنامج «التدريب والتسليح» الهادف إلى الحدّ من امتداد النزاع السوري ومكافحة خطر «داعش» على الحدود. واعلن ان المملكة المتحدة ستستمر بدعم هذا البرنامج عبر توفير 7.5 مليون دولار هذه السنة.