رؤية شباب حصرون وبشري “مطحونين” لشدة الضرب والتعذيب في معتقلات مخابرات أجهزة الوصاية والإحتلال السوري في شمال لبنان حولت المهندس جوزف إسحق من مؤيد لـ”القوات اللبنانية” ومعجب بأفكار قائدها سمير جعجع الى مناضل شرس ماهر بمقاومة مخرز العدو من دون أن يؤذي عينه التي كانت تعرف كيف تراقب وتخطّط وتنفّذ مصالح المقاومة المسيحية في الشمال بذكاء وحنكة. هو أول نقيب للمهندسين يصل الى رئاسة مجلس النقابة باسم “القوات اللبنانية” ودعم حكيمها. عن تلك المرحلة والمواجهات مع المحتل السوري في الشمال يروي النقيب جوزف إسحق محطات أوصلته في نهاية المطاف الى تولي مسؤولية منسق “القوات اللبنانية” في منطقة بشري بدل أن يسمع للضابط السوري و”يعود من الحج” مع العائدين!!
يستعيد جوزف اسحق صفحات من الذاكرة ويقول: “أيام الحرب اللبنانية كنت من مناصري “القوات اللبنانية” إلا أن سكني شمالي لبنان حيث السيطرة السورية، حال دون إنخراطي المباشر في العمل المقاوم ككل الشباب الساكنين في منطقة بشري الذين كانوا “قوات” بالقلب والعقل لكن من دون التزام رسمي.
عندما إنتهت الحرب فرحنا لأن ما كنا نحلم به قد يتحقق مع وصول الدكتور جعجع الى الموقع الذي وصل اليه على الساحة المسيحية والوطنية على السواء. ومع التغيير الذي أطاح بالسلطة الاقطاعية في منطقتنا، تأملنا خيرًا بأن يترجم كل ذلك من خلال العمل السياسي في المنطقة التي كانت تسودها عقلية العائلات الكبيرة مقابل الصغيرة والقرى الكبيرة مقابل الصغيرة… فقلنا إن التحوّل الفكري هذا سيترجم بالتأكيد وعيًا سياسيًا وتحولًا إجتماعيًا جذريًا”.
النقيب جوزف إسحق كان من شباب بلدة حصرون العصاميين الذين تسلّحوا بالعلم ليشقوا طريقهم الى مستقبل زاهر بعيدًا مما كانت تردّده “الذهنيات” التي تحكم منطقة جبّة بشري والجوار. يشرح أكثر: “أعني بالذهنيات المسيطرة السلطة الإقطاعية التي بسببها كانت تقف كل المشاريع على مداخل كل بلدة في القضاء جراء صراع العائلات الكبرى و”تناتش” النفوذ والسلطة حتى في بشري كبرى بلدات القضاء، لذا تأملنا أن وصول الدكتور جعجع سيبدّل في هذا الواقع ويكسر سلطة الإقطاع”.
لماذا إعتبرتم أن وصول الدكتور جعجع سيحمل هذا البُعد؟
بمجرد تعاطيه في العمل السياسي وبروزه بدأ الشباب يتبعونه ويؤمنون بالخط والنهج الذي أرساه في “القوات”، وأملوا في تغيير واقع كان قائمًا وتحقيق ثورة على الاقطاعية التي حكمتنا على مدى عقود من الزمن.
إنسحب ذلك على القرى المحيطة بمدينة بشري وإستبشر أهلها أملًا بهذا التحوّل المنتظر والمتوقع. وفعلًا هذا ما حصل، فبعد إنتهاء الحرب إنخرط الشباب في العمل السياسي وأنا منهم. وأول لقاء رسمي لي في إطار “القوات اللبنانية” كان في العام 1993 في مؤتمر سيدة الجبل في فتقا الذي نظّم خصيصًا لمنطقة بشري وبحضور الدكتور جعجع.
بعد حلّ حزب “القوات” واعتقال الدكتور جعجع تابعنا العمل والتنسيق مع الأستاذ إيلي كيروز والسيدة ستريدا جعجع، إن من خلال الإجتماعات في حصرون او في بشري أو في بيت الحكيم في يسوع الملك. لم يتوقف تواصلنا أبدًا لكنه أصبح أكثر سريّة لا أكثر.
يمكن القول انك التزمت في “القوات اللبنانية” فعليًا بعد أن حُلّ الحزب ودخلت “القوات” أتون السجون والاعتقالات، لماذا دخلت برجليك الى ذاك “الجحيم”؟
فعلاً يمكن القول إن عملي في “القوات” قبل مرحلة الاعتقال والسجن إتخذ وجهين: الأول على مستوى المنطقة وبلدتي حصرون، والثاني على مستوى نقابة المهندسين في الشمال، وبقي كذلك على رغم توقيفي عشرات المرات من قبل أجهزة المخابرات اللبنانية والسورية على السواء. فبعد كل إجتماع او زيارة الى بيت الحكيم في يسوع الملك كنا ننتظر أمر الإستدعاء من قبل الأجهزة. والطريف أنني وحتى اليوم كلما وصلت الى مقر يسوع الملك أشعر برهبة ما وكأننا لم ولن ننسى ما قاسيناه. أنا أستدعيت من قبل المخابرات السورية في المنطقة أضعاف ما أستدعيت من قبل الأجهزة اللبنانية التابعة حينذاك لسلطة الوصاية السورية. كان المركز السوري في منطقة “الحريم” في بشري محطة دائمة لي مع أنني كنت الأقل إستهدافًا بين الشباب لأنني لم أنخرط في العمل العسكري إبان الحرب، إلا أنهم لم يستثنوني من التخويف والتهويل لردع نشاطي السياسي “القواتي”. وبحكم موقعي كمهندس في المنطقة كانت لي علاقات طيبة مع مستثمرين كبار يتمتعون بعلاقات جيدة مع الأجهزة السورية بالطبع لتسيير أعمالهم وتسهيل أمورهم مع السلطة السورية الحاكمة بأمرها أنذاك خصوصًا في المنطقة الساحلية لشمال لبنان، فكنت قبل أن أتوجه الى التحقيق أتصل بهم ليتوسطوا لي لدى أصدقائهم كي لا تطول مدة توقيفي.
وبأي تُهم كنت تستدعى؟
العمل السياسي “القواتي” بالطبع كان خيانة عظمى! أذكر عندما وزعنا بطاقات معايدة بمناسبة عيدي الميلاد ورأس السنة باسم الدكتور جعجع وهو سجين، كتبت حينها الأسماء بخط يدي وتم توزيع البطاقات بالسرّ من بيت الى بيت. يومها إتصل بي المقدم فارس الضابط السوري المسؤول حينذاك و”غسلني” بالشتائم والتهديد والوعيد وأبلغني أنه ينتظرني في مكتبه يوم عيد رأس السنة. لم يكن التحقيق سهلاً بالطبع إلا أنه كان أقل حدّة من الحديث الهاتفي لأنني كنت إتصلت بأصدقائي المتموّلين الذين يعرفون كيف يهدئون من غضبه على طريقتهم، كما وأنني أحسست أنه لم يكن متأكدًا من أنني المسؤول عن كتابة وتوزيع البطاقات، بل شاكًا في الأمر وإلا كان تعاطيه معي سيكون مختلفًا.
ومن المرات التي لا تنسى أيضًا إبان الإنتخابات البلدية في العام 1998 حيث حققنا فوزًا كاسحًا في مختلف بلدات القضاء ما أفقدهم صوابهم وصبرهم فتم إستدعائي للتحقيق، وفي اليوم الذي كان يفترض أن نتلقى التهاني بالفوز وكان يوم أحد، كنت أنا أخضع للتحقيق في مركز المخابرات السورية.
ولا أنسى يوم قداس الشهداء الذي أقيم في ميفوق في العام 2000 وهو ربما من أجمل أيام حياتي خضنا خلاله مغامرة شاقة للوصول من منطقة بشري الى ميفوق على رغم الحصار والحواجز العسكرية التي كانت تردّ كل الوفود القواتية الزاحفة الى ميفوق للمشاركة في القداس. فما كان منا وبعد محاولات عدة إلا أن تركنا سياراتنا في بلدة “بشعلة” وتابعنا سيرًا على الأقدام نحو ميفوق. يومها شعرت بانتمائي الى العائلة القواتية حيث الكل فيها أخوة من دون أن يعرفوا بعضهم بعضًا، فقط تجمعهم قضية واحدة. ويومها أيضًا وصلت الأجهزة الأمنية الى قمة الغضب والعصبية جراء ما حصل وإستدعت المئات من الشباب الى مركز القبة في طرابلس للتحقيق، أنا كنت أسكن حينها في مجدليا وبات بيتي مقرًا للشباب قبل التحقيق والإحتجاز وبعده. في السجن هناك أدركت عظمة صمود الدكتور جعجع في سجنه ونحن لم نتحمل السجن لساعات فقط!
كان الضابط السوري يردّد عليّ دائمًا المثل الشعبي “انت رايح عالحج والناس راجعة”، أي أن “القوات” انتهت وسمير جعجع بات من الماضي فلم أنا مصرّ على التمسك بهذين الخاسرين؟
بعد الإنتخابات البلدية ابتدعوا قصة حادثة إطلاق النار على “الفان” السوري في طبرجا وأوقفوا العشرات، يومها كان خوفي كبيرًا أن يتم توقيف السيدة ستريدا جعجع، وهي بنظري العامل الأساسي الذي كان يجمعنا وصلة الوصل بالحكيم التي دفعت “القوات” الى الأمام بدل أن تنتهي وتتشتت كما كان مخططاً لها بعد إعتقال قائدها ورأس الهرم، فبلغتهم “إنتهى موسم الحج”. توقيف الأستاذ إيلي كيروز لم يكن أقل وقعًا علينا أيضًا لا سيما وأن تنسيقنا المباشر كان معه دائمًا.
ماذا عن دورك النقابي في نقابة مهندسي الشمال كقواتي مناضل؟
في البداية كان عملي نقابيًا بحتاً ولم يكن حزبيًا. الحضور القواتي الكبير في النقابة كان نتيجة قانون نقابة المهندسين الذي يحتّم الإنتساب اليها وفق قيد النفوس أي المنطقة التي نحن منها، فكل مهندسي الشمال مجبرون على الإنتساب الى النقابة في الشمال، لا كباقي النقابات كما نقابة المحامين او الأطباء ينتسبون حيث يمارسون عملهم. كنا نعرف أن حضورنا كبير لكن لم يكن هناك تواصل بيننا او تنظيم لصفوفنا نظرًا لوضع “القوات” في طرابلس جراء السيطرة السورية وموقف بعض العائلات الطرابلسية من إتهام “القوات ” بقضية إغتيال الرئيس رشيد كرامي وتصويرها أنها المسؤولة عن هذه الجريمة. لذا كان نشاطنا غير معلن حينذاك، ومع ذلك الملاحقة السورية لم ترحمنا، إلا أنها جمعتنا بعلاقة صداقة وتنسيق مع الكثير من العائلات والفاعليات الطرابلسية التي عانت ربما أكثر منا من السيطرة والبطش والإضطهاد السوري.
لذا خطر ببالي أن أحمي نفسي عبر الدخول الى مجلس النقابة وإكتساب تلك الحصانة. فترشحت للمرة الأولى في العام 2000 وعدت وانسحبت ثم ترشحت في العام 2002 وفزت بالتزكية. وللتزكية هنا قصة طريفة، فالمقدم فارس أي الضابط السوري الذي كان يضغط علي في منطقة بشري تم نقله الى طرابلس في تلك المرحلة وفي انتخابات النقابة نمرّ عادة بمرحلتين فننتخب مثلا في فرع المهندسين المدنيين خمسة أعضاء وتعود الهيئة العامة للنقابة لتنتخب واحدًا من الخمسة. وقبل أن أنتخب مع الخمسة كان مهندس صديق لي على مائدة غداء مع المقدم فارس فراح يروي صديقي للحاضرين ومن بينهم محام صديق لي أيضًا أنني مرشّح لعضوية مجلس النقابة، علمًا أن لا صديقي المهندس يعرف أنني قواتي ولا المقدم فارس يكن لي “المودّة”! فثارت ثائرة المقدم السوري وصرخ بعد أن تأكد أنني جوزف إسحق من حصرون “بدي كسّرلو إجري لجوزف اسحق قبل ما يوصل عالنقابة…”. أصيب المهندس صديقي بالهلع جراء تهديد فارس فدخل الى الحمام وإتصل بي شارحًا الموقف وقال “هلأ بتنسحب من انتخابات النقابة لأن المقدم فارس بدو يكسّرلك اجريك اذا بتوصل عالنقابة”، فقلت له “ما تعتل هم أنا معود عليهم، روح كفي غداك”. عندئذ وضعنا خطة الغينا من خلالها المرحلة الثانية حيث يمكن للمخابرات السورية واللبنانية التأثير فيها، وتوافقنا نتيجة الاتصالات على فوزي بالتزكية من المرحلة الأولى مع سحب الكل ترشيحهم لمصلحتي. وكانت سابقة في تاريخ نقابة المهندسين في الشمال. كان المقدم فارس يخطط لتكسير رجليّ في المرحلة الثانية فسبقته في المرحلة الأولى، لكن الفريق الخصم لم يرضَ بالنتيجة وقدم طعنًا بفوزي إلا أنه خسر أمام القضاء.
عندئذ طلبت مني السيدة ستريدا جعجع والأستاذ إيلي كيروز أن أتولى مهمة التنسيق بين مهندسي الشمال في “القوات”، وتحوّل عملي الى مسؤول عن تجمع المهندسين “القوات” في الشمال الذين يعتبرون أركانًا في “القوات اللبنانية” خصوصًا أيام الحرب حيث كان العديد منهم في “القوات”.
في العام 2003 توليت منصب أمين سرّ النقابة، قبلي كان الياس العلم نائبًا للنقيب ثم دخل المهندس شفيق نعمة وتولى أمانة السرّ ومن بعده ربيع سابا نائبًا للنقيب وجورج ساسين عضو اتحادي ونقولا سليمان أمينًا للسرّ، وكلهم من الملتزمين في “القوات”، الى أن توّجنا عملنا النقابي بوصولي الى منصب النقيب في العام 2008 وكنت حينها منسّق مهندسي “القوات” في الشمال وترشحت باسم “القوات” وبدعم وثقة الدكتور سمير جعجع والأكيد الأكيد دعم النائبين ستريدا جعجع وإيلي كيروز اللذين عاشا معي كل المراحل التي قطعناها في منطقة بشري وفي طرابلس ضد السوري الذي شوّه صورة “القوات” و”أبلسها”، وتمكنا نحن من تصحيح صورة الحزب وتظهيرها للمجتمع الشمالي على حقيقتها، وترافق ذلك بالطبع مع مواقف الدكتور جعجع من العام 2005 الى 2008.
كمنسق لـ”القوات اللبنانية” في منطقة بشري ربما إلتقيت الدكتور جعجع منذ تحرّره من الاعتقال وحتى اليوم مئات المرات، وما زلت حتى اليوم غير مصدّق أن هذا القائد الذي رافقناه طيلة 11 عامًا بالصلاة والنضال هو اليوم بيننا. فبغض النظر عن رمزية الدكتور جعجع إلا أن شخصه يعني لي الكثير مذ كنا شباناً مفتونين بأفكاره من دون أن نكون منتسبين الى “القوات اللبنانية”. في رأيي أن هذا الشخص أحدث تحوّلًا كبيرًا في الحياة السياسية في لبنان بخروجه من عائلة متواضعة بعيدًا من العائلات السياسية وسلطة المال الى الصفوف القيادية والحزبية والوطنية الأولى. بالنسبة لي هو مثال أحتذي به وأفتخر.
التهديد بالتصفية او الخطف والتغييب في السجون السورية كما حصل مع كثير من المناضلين “القوات” ألم يخفك؟
لا أخفيك أن إستشهاد الزميل رمزي عيراني في العام 2002 أثرّ في البداية علي كثيرًا وأصاب أصدقائي وعائلتي بالخوف الشديد على مصيري إذا أكملت نشاطي القواتي خصوصًا في طرابلس، إلا أن هذا الإستشهاد عاد وزادني تصميمًا وعزمًا على إكمال المسيرة، وكنا النقابة الأولى في لبنان التي تصدر بيانًا رسميًا يندّد بما حصل لرمزي وبمنفذي الجريمة.
*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.
