
كتبت سيبال رزوق في “المسيرة” – العدد 1452:
من مقاعد الدراسة انتقل جورج عواد الى رحلة النضال. هناك تفتحت عيناه على مشاهد الشباب الذين ارتدوا البزات الخضر للدفاع عن البيت والأرض والكرامات. كان تلميذاً عندما انتسب جورج الى حزب “الكتائب”، وعلى الرغم من صغر سنه كان مقتنعًا بمبادئه… ومن هذه المرحلة تبدأ الحكاية.
“كنت أحب وكنت متمسكاً بالقضية التي جمعتنا ورفاقنا وخلقت بيننا محبة غريبة فكنا أكثر من أخوة وكانت علاقتنا مبنيّة على أسس متينة وثقة عمياء إن كان خلال المعارك أو خارجها. مهما كان عددنا كنا نتصرف كشخص واحد ونعمل بقلب واحد على الجبهات”. بهذه العبارات يبدأ جورج عواد حكايته مع النضال.
ويروي كيف بدأ بالتدرب على كيفية الدفاع عن النفس ضمن برامج الفنون القتالية وكان يشتري المعدات والثياب الخاصة بحجة أنها لوازم للتدريب الذي كان ينظمه الجيش في المدارس، إضافة الى النشاطات الكشفية.
مشاركة جورج الفعلية في الحزب بدأت بانضمامه الى خلية الطلاب التي ترأسها لاحقاً في ثانوية الجديدة، كما أنه كان عضواً في فرقة “بومور” التي تأسست في العام 1974 وكان يترأسها جوزف حريق وهي تضم نحو عشرين شاباً دورهم تأمين الحماية للرفاق المتواجدين ضمن حرم الجامعات، خصوصًا أثناء عقد الندوات التي ينظمها الحزب، فكانت الفرقة تنتشر في القاعة حرصًا على الانضباط.
في العام 1975 كان جورج يتدرب مع رفاقه في بلدة النعص في بكفيا عندما وقعت حادثة عين الرمانة فانتقلوا الى تل الزعتر. وخلال معركة كانت تدور في أحراج مار روكز حوصر مع رفاقه لمدة خمسة أيام ولم يتمكن من إيصال أي خبر لأهله لطمأنتهم في حين أنهم كانوا غير مدركين في الأساس حقيقة انتمائه الى الحزب. خلال الحصار كان جورج مسؤولاً عن مدفع “ب-10” ومتمركزاً على سطح مبنى حين سمع فجأةً صوت يصرخ “أريد رؤية ابني”. تعرّف جورج على ذلك الصوت فتبيّن له أنه صوت والده فأسرع وتكلم مع رفيقه عبر الجهاز قائلاً: “هذا أبي أدخلوه”. نزل جورج الى المدخل وكان فرحاً لرؤية والده بعد غياب أيام، أما أبو جورج فأول رد فعل قام به فكان أن صفع ابنه صفعة قوية أوقعته على الأرض. لا ينسى جورج تلك اللحظة وقد علم لاحقاً أن اسمه أذيع عبر إذاعة “صوت لبنان” على أساس أنه استشهد في منطقة الدكوانة وسمع أهله الخبر وراح الأب يبحث عنه في كلّ مكان وحين وجده ارتبكت مشاعره. ويقول جورج: “صفعني أبي من فرحته أنني ما زلت على قيد الحياة وعتباً أنني لم أخبره عن انتسابي للحزب ومشاركتي في القتال”.
خلال مهمة قتالية توجهت مجموعة من الشباب بإمرة جورج من مخيم تل الزعتر الى المدرسة الألمانية. كانت المنطقة شبه آمنة لكنهم كانوا متخوّفين من الدهاليز الموجودة تحت الأرض والخنادق والمنافذ. وبعد أن قطعوا مسافة في الأحراج كان عليهم عبور طريق مكشوفة للوصول الى المدرسة فكان جورج يؤمن التغطية لرفاقه الذين عبروا واحدًا تلو الآخر. بعد أن تجاوز الجميع تلك المسافة حان دور جورج الذي كان في انتظار إشارة تؤكد له أن الحماية مؤمنة له من الطرف الآخر. وفي الوقت الذي كان يستعد للعبور تفاجأ بوجود مسلح يضع الرشاش في وجهه في وقت لم يكن يتوقع أبدًا وجود أي مسلح من الفريق الثاني. “عندما رأيته أصبت بالهلع، تصبّرت. كان سلاحي في يدي اليمنى، لا شعوريًا رفعت يدي وأطلقت النار عليه، كنت في حال الصدمة ولم أتمكن من مبادرة المسلح بردّة فعل قوية وسريعة. تجمد عقلي فشعرت وكأن قوة ربانية ساعدتني وأطلقت النار قبله”.

عاد جورج وانضم الى رفاقه الذين كانوا في انتظاره فأكملوا مسيرتهم نحو المدرسة. ما أن وصلوا الى الموقع حتى استهدفت المدرسة بقذيفة “ب 7” انفجرت على مقربة من جورج مما أدى الى إصابته بشظية فى رأسه وأخرى في صدره وواحدة في كل من كتفيه. لم يبقَ في ذاكرة جورج خلاصه من الموت مرتين فحسب بل علّمت فيه آثار الشظايا الأربعة التي أصابته بشكل صليب ربما ليشكر ربه في كل مرة على نعمة الحياة وحمايته من الموت.
خلال كل مراحل الحرب كان جورج يضع في عنقه ذخيرة من عود الصليب كان قد حصل عليها والده من الأراضي المقدسة، وتلك الذخيرة بحسب جورج الذي رأى الموت بعينيه مرات عدة، هي التي أعطته قوة التحمل والشعور بالأمان وحمته في أخطر المواقف من الموت.
علم جورج أن صديقه محمد قاسم تعرض لإطلاق النار بعد أن رفض المشاركة في القتال ضمن صفوف الفلسطنيين. كانت تجمع جورج ومحمد علاقة صداقة متينة وكان يعتبر أهله بمثابة أهل له، فما أن علم بأنه مصاب في يده حتى توجه الى النبعة ليلاً متنكراُ في زي امرأة واصطحبه مع والدته وأدخله المستشفى تحت اسم أخيه فقدم له العلاج المناسب وقال له الأطباء أنه لو تأخر أكثر لكانوا اضطروا الى بتر يده. بقي محمد ووالدته في منزل جورج فترة طويلة حتى هدأت أجواء التوتر في النبعة وأصبح الوضع الأمني يسمح بعودته الى منزله.
بعد فترة تحررت منطقة النبعة وكانت من مهمة جورج ومجموعة من رفاقه القبض على المدعو فاروق فلاحة وهو قناص وملازم أول في منظمة “فتح”. داهمت المجموعة منزل فلاحة فوجدوا أهله واخوته، أما هو فكان قد لاذ بالفرار فاصطُحب أهل فلاحة الى المركز للتحقيق معهم. خلال وجودهم في المركز اهتم جورج ّ بهم وحرص على أن يؤمن لهم كل احتياجاتهم. وقد حصل إشكال بين الأب وأحد العناصر فتدخل جورج ودافع عنه وهدّأ الطرفين وبعد يومين أطلق سراحهم.
في أحد الأيام توجه جورج الى بيروت الغربية ليطمئن على صديقه محمد وقرّرا الذهاب الى الحمرا لمشاهدة فيلم من بطولة الممثل بروسلي. بعد وصوله الى سينما سارولا ودخوله صالة العرض تفاجأ جورج بفاروق فلاحة ومجموعة كبيرة من رفاقه في نفس الصالة. وما أن رأى فاروق جورج حتى هجم عليه وأمسكه من ثيابه وبدأ يهدّده ويوبخ محمد قائلاً: “يا كافر، يا نجس كيف تكون صديقاً لهذا المسيحي”! كان من بين المجموعة الى جانب فاروق أخوه الذي كان موقوفاً مع أهله قبل فترة فنظر الى جورج وحرّك يده خفيةً ليقول له بالومى “أسكت، لا تردّ، أنا سأهتم بالموضوع”. سكت جورج، لم يردّ ويجادل كي لا يضخم الموضوع. ساق الشبان محمد وجورج الى السيارة والأمر الذي أرعب جورج أنهم لم يضعوا عصبة على أعينهم في السيارة ولم يكن من الطبيعي أن يسمحوا له أن يرى الطريق المؤدية الى مركزهم. في السيارة كان جورج متوترًا جدًا. يقول: “كنت أصلي طوال الطريق من الحمرا الى برج أبي حيدر وتلوت فعل الندامة، وفعل الإيمان والرجاء والأبانا والسلام…” بعد أن وصلوا الى المركز كان معظم الشبان من النبعة وكان الجميع يعرف جورج. “متل ما عملت فينا بدنا نعمل فيك” عبارة سمعها جورج مرات عدة في وقت قصير.

أُدخل جورج الى غرفة المسؤول في المركز وبدأ يستجوبه بمجموعة أسئلة أما ردّ جورج فكان بسيطاً “هيدا مش أنا مستشبهين فيي”. كان موقف جورج حرجاً ويقول “الله زوّدني حينها بالقوة والصبر، كنت أحاول ضبط أعصابي لكن في الحقيقة كنت أتمزق من الداخل”. لم يستطع جورج أن ينكر أمام إثباتات الرجل الموثقة بأربعة ألبومات كبيرة ضمّت مجموعة صور لجورج أمام منزله في الدورة، ومع رفاقه في الحزب خلال تواجدهم في المركز وتحركاتهم في المنطقة وخارجها، في المعارك وعلى الجبهات.
استغرب جورج الذي لم يتوقع أبداً وجود أي دليل لديهم وتبيّن أن مصادرهم كانت قوية ودقيقة. طلب رئيس المركز نقل جورج الى الغرفة المجاورة فدخل الى تلك الغرفة المظلمة وزلت به قدمه بسبب وجود دم على الأرض. بعد عشر دقائق أخرجوا جورج من الغرفة ونقلوه الى منطقة الفاكهاني في بيروت حيث يتواجد رئيس المنطقة.
قبل أن يدخل الى المركز رأى جورج شقيق فاروق من جديد وطمأنه قائلاً “لا تخَف”. دخل الى مكتب المسؤول الذي تكلّم مطوّلاً عن مبادئ منظمته وبرر أفعال جماعته وكان جورج يهزّ برأسه لكنه لم يكن يسمع شيئاً من كثرة توتره وتعبه. عند الساعة الثانية صباحاً أُطلق سراح جورج فأوصلوه الى منطقة البربير وأكمل مع محمد الطريق سيراً على الأقدام وبقي متخوفاً من أن يطلقوا النار عليهما من الخلف. فقال لمحمد: “امشِ ببطء فإذا أطلقوا النار علينا وكنا مسرعين يفيض الدم بغزارة”. أكمل الصديقان السير في العتمة وهما غير مدركين أين وصلا وفجأة سمعا صوتاً يقول “قف وارفع يديك”، فتبيّن أنهما وصلا الى حاجز سوري، فتحدث محمد مع أحد العناصر وكان يعرفهم. قال: “إنني أوصل صديقي الى بيته” فسمحوا لهما بالعبور. بعد أن وصلا الى المحكمة العسكرية استقل جورج سيارة أجرة وحدّد اتجاهه الى الدورة، وما أن وصل الى بيته قال لأهله “لا تسألوني عن سبب غيابي، لقد كتب لي عمر جديد، أنا ولدت اليوم”.
بعد تلك الحادثة شعر جورج بالانهيار بعد المجهود الكبير الذي بذله لضبط أعصابه خلال خطفه وبقي أسبوعًا من دون أن يخرج من غرفته أو يتكلم مع أحد. لكن أيمانه زاد بمبدأ أن الإنسان الذي يفعل الخير مع الآخر يحميه الرب من المخاطر، والآخر لا ينسى خيراً فعلته معه حتى لو كان عدوّك.

* لأن القضية على مساحة الـ10452، تنقّل أبناؤها من جبهة الى أخرى مرة لصد عدوان ومرّة لتأخير إنهيار ومرة لتسجيل بطولات وطرد غزاة. فكان الرفاق يزرعون البطولة والعنفوان في كل شبر تطأه أقدامهم، وإمتزج عرق المناضلين ودماء الشهداء من الشمال الى الجنوب والجبل والبقاع وبيروت. وكتحية وفاء لهم، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “كنا هناك” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.