
“الله يستر آخرتنا”، عبارة غالباً ما يستعملها جيل الشباب، لمجرد رؤية عجوز بدأ يفقد القليل من ذاكرته في مقدمة قد تكون من مؤشرات مرض “ألزهايمر”، وهو مرض يصيب الخلايا العصبية في الدماغ، ويؤثر سلباً في المريض من الناحية العقلية والنفسية والسلوكية والاجتماعية، ويعتبر من أكثر أنواع الخرف شيوعاً. أما “الخرف” فهو اضطراب دماغي يؤثر بشكل خطير في أداء المريض لحاجاته وأنشطته اليومية. ومن الناحية التشريحية يؤثر مرض “ألزهايمر” سلباً في مناطق الدماغ المسؤولة عن تنظيم التحكم بالذاكرة والتفكير واللغة.
وفي حين ان أسباب الخرف، عموماً، باتت معروفة لدى العاملين في الحقل الطبي، غير أن أسباب مرض “ألزهايمر” بالذات ما زالت مجهولة، بالرغم من وجود عدة نظريات، فضلاً عن عدم وجود علاج فعال له.
الأسباب الحقيقية التي تقف وراء هذا المرض ما زالت غير معروفة، الا ان من أهم خصائص مرض “ألزهايمر” انه يسبب فقداناً تدريجياً للذاكرة (نسيان)، يتبعها خرف بطيء التطور. اما التغيرات التشريحية التي تصيب الدماغ، والمرئية بالعين المجردة، فتتمثل في تناقص حجم، او مقدار، التلافيف gyri المخية للفصين الجبهي Frontal والصدغي Temporal، مع الحفاظ النسبي على كل من القشرة المحركة والحسية، في حين تتمثل التغيرات المجهرية في الدماغ في زيادة ظهور تكوينتين شاذتين، هما: كتل بروتينية (زلالية) تتجمع خارج الخلايا العصبية، وكتل تشابكات من الزلال المتغير داخل الخلايا العصبية، وتؤدي هذه الكتل الى موت الخلايا العصبية في الدماغ.
أرقام وإحصاءات
اشار طبيب الاعصاب الالماني Alois Alzheimer الذي نسب اليه اسم مرض “ألزهايمر” الى ان هذا المرض يصيب بنسبة كبيرة الاشخاص فوق عمر الـ 65 عاماً، وتشير بعض الدراسات الى إنه من 5 .1 إلى 2 بالمئة من الحالات تكون وراثية، وهو يصيب المرأة أكثر من الرجل، ما يفسر الاصابات في عمر أبكر من المعتاد.
تقدّر منظمة الصحة العالمية عدد المرضى فى العالم بحوالي 6 ,35 مليون مريض، وهي تمثل من 60 إلى 70 بالمئة من الحالات. هذا الرقم آخذ بالارتفاع بسرعة هائلة نتيجة زيادة أعمار المسنين، وارتفاع عددهم في العشرين سنة الأخيرة. ويتوقع أن يصل عدد المرضى على مستوى العالم عام 2030 نحو 65 مليون شخص و 115 مليون شخص عام 2050. وهذه الزيادة تعود الى ارتفاع مستوى الخدمات الصحية، عموماً، والاجتماعية للمسنين خصوصاً ( في البلاد المتحضرة).
في تفاصيل الدراسات الاخيرة، يتم تسجيل اصابة واحدة في كل 71 ثانية، فضلاً عن أن 71 بالمئة من مرضى الخرف يعانون من مرض ألزهايمر.
الكشف السريري
من أكثر الأعراض الشائعة والمبكرة للمرض هي نسيان المعلومات والأحداث الحديثة أو الجديدة (يليها نسيان المعلومات القديمة) وتَوَهان بالزمان والمكان. وفي حين انه من الطبيعي أن ينسى الإنسان في أي يوم هو من الأسبوع، أو أي مكان كان يريد الذهاب إليه، الا انه من الغريب أن يتوه ويضيع في المنطقة أو الشارع الذي يعيش فيه.
تغير في السلوك والمزاج دليل من دلائل هذا المرض، فإما أن يكون المريض هادئاً أو هائجاً، انعزالياً أو عدوانياً، وقد يخاف من صورته الشخصية في المرآة. وقد يكون مكتئباً، عديم الاهتمام بالنظافة العامة، لا مبال، ولا يتقيد بالعادات والتقاليد الاجتماعية ولا يتعرف على أفراد عائلته. دليل ثالث، هو عدم المقدرة على القيام بالمهام المألوفة.
المشاكل اللغوية من الطبيعي ان ترافق مريض “ألزهايمر”، بحيث يمكن ان ينسى اسماء ابسط الاشياء واكثرها استعمالاً كالمحرمة او فرشاة الاسنان او الشعر، رغم ادراكه لماهية استعمالها!
عدم المقدرة على التمييز بين الاشياء ووضعها في غير اماكنها، فضلاً عن عدم القدرة على التحكم بالبول والغائط، تبدأ بالظهور في مراحل متقدمة نسبياً من المرض الى ان يبدأ المريض بفقدان احد الحواس الخمس او عدداً منها.
علاج “ألزهايمر”… والامل الجديد
للاسف، وإلى يومنا هذا، لا يوجد علاج ولا شفاء لمرض “ألزهايمر”. ويقتصر التدخل العلاجي على تحسين أو التخفيف من المشاكل والأعراض السلوكية والعصبية والاجتماعية.
الا ان مؤشرات أولية على نجاح دواء جديد في كبح مرض “ألزهايمر” بدأت تلوح في الافق، فقد ذكرت القناة الاخبارية BBC الى ان بيانات من شركة “إيلي ليلي” لتصنيع الدواء توصّلت الى دواء “سولانيزوماب” يمكنه أن يخفض معدل تقدم مرض الخرف بنحو الثلث.
وتلتقي هذه النتائج مع تفاؤل حذر، كما تجري تجربة أخرى منفصلة من المقرر إعلان نتائجها العام المقبل، والتي ستكون حاسمة. ويعود سبب التفاؤل الى ان هذا الدواء يعمل على الحفاظ على الخلايا العصبية حية، فيهاجم البروتينات المشوهة المسماة “أميلويد”، والتي تتكون في المخ خلال مرض “ألزهايمر”.
وبدا أن الدواء قد أبطأ من تقدم المرض بنسبة 34 بالمئة خلال فترة الدراسة. وقد عرضت الشركة نتائج إيجابية للتجربة الإضافية خلال مؤتمر الرابطة الدولية لمرض “ألزهايمر”. وأظهرت النتائج أن تناول الدواء لمدة أطول كان أكثر فائدة.
وقال الدكتور إيريك سيمرز من معامل أبحاث شركة “ليلي” في الهند لــ “بي بي سي”: “نعتقد بوجود فرصة لأن يكون دواء (سولانيزوماب) أول دواء متاح لتخفيف آثار المرض”.
وقال الدكتور إيريك كاران مدير الأبحاث في مركز أبحاث ألزهايمر في بريطانيا: “إذا تكرر ذلك، فأعتقد سيكون بمثابة اختراق حقيقي في مجال أبحاث ألزهايمر”.
مرض “ألزهايمر” لا يمكن الوقاية منه، الا انه تماماً كغيره من الامراض يتطلب القاء الضوء عليه للتخفيف من معاناة اهل المصابين به. فضلاً عن ذلك، فان المريض بحاجة الى الرعاية الدائمة والدعم المعنوي.
وفي حين ان دولتنا الكريمة لا تنفكّ تؤجل مراراً وتكراراً اقرار قانون ضمان الشيخوخة، اضافة الى غياب اي رؤية او سياسة لاحتضان اهالينا في شيخوختهم بطرق تضمن صحتهم وكرامتهم، فما على اهل المريض الا تقديم ما يمكن تقديمه للمريض، الى حين التوصل لعلاج شافٍ.