Site icon Lebanese Forces Official Website

جدلية الرئيس القوي

في خضم جلسات الحوار المستحدثة  والصخب السياسي للطروحات المتعلقة بانتخاب رئيس للجمهورية وبازار المواقف المزايدة والمجتهدة التي تطالعنا بها بعض الاقلام والسياسيين، يبدو من المشهد العام ان ثمة لغط كبير تحول الى تحريف لحقائق سياسية  وميثاقية اساسية لا بد من اعادة تصويبها من خلال القاء الضؤ عليها وفق الاتي :

اولاً: اللغط القائم حول تفسير مفهوم الرئيس القوي وتحديد مواصفاته، والذي ما يزال يشغل السياسيين والمحللين والاقلام وحلقات الحوار، اذ ثمة خطأ شائع يقول بان الأقوى شعبياً بين المسيحيين هو الذي يستحق أن يتبوأ كرسي الرئاسة الاولى، أسوة بالأقوى لدى الطائفة السنية والأقوى لدى الطائفة الشيعية بالنسبة للرئاستين الثانية والثالثة .

فالحقيقة التي يتجاهلها الكثيرون في الشكل اولاً هي أن قوة الزعامة المسيحية لا تزال عند البعض تُقاس استناداً لانتخابات العام 2009 التشريعية، في وقت أبرزت احدث الاستطلاعات ان التفوق المسيحي شعبياً لم يعد كما كان في السابق، اما في المضمون فان المسألة لدى المسيحيين لم تعد فقط محصورة بالأقوى شعبياً، بل بالذي يمثل حقيقة الطموحات المسيحية وتطلعاتهم، وهنا لا بد من تسجيل الملاحظتين التاليتين :

الملاحظة الاولى: في الشارع السني ثمة اجماع الى حد كبير على توجه سياسي واحد يشكل تيار “المستقبل” حتى الساعة عماده، فالسنة مجمعون تقريباً على نهج سياسي واحد دائر في فلك روحية ثورة الارز و14 آذار، ودعم الثورة السورية والتواصل مع العمق العربي الاسلامي في التصدي للمد الايراني وادواته في المنطقة، ولدى الشارع الشيعي  الامر نفسه، بحيث ثمة احادية شيعية لا بل اكثرية شبه كاسحة في اعتماد ودعم نهج المقاومة و8 آذار والالتحاق بمحور ما يسمى بالممانعة الاقليمية وعلى رأسها ايران ونظام الاسد وادواتهما، وبالتالي اذا قيل ان لدى الطائفتين رجل قوي يمثلها ففي ذلك انعكاس لاحادية الرؤية والتوجه والسياسات ووحدة الموقف والتلاوين .

الملاحظة الثانية: وهي ان  لدى المسيحيين المسألة معقدة أكثر من ذلك، اذ من جهة وتاريخياً لطالما تنوعت وتعددت الزعامات المسيحية وبالتحديد المارونية، وكان هذا التنوع مصدر غنى لدى المسيحيين واساساً للديمقراطية الحقيقة، وفي الوقت عينه نقطة ضعف الطائفة ومصدر صراعات كبيرة منذ انفجار الصراع بين الرئيس بشاره الخوري والرئيس اميل اده وصولاً الى الثنائيات المتصارعة حديثاً، ومن جهة ثانية، وهنا بيت القصيد، ان السؤال اليوم لم يعد في من يمثل المسيحيين اكثر من ناحية العدد او الشعبية بل في من يمثل الفكر المسيحي والتاريخ المسيحي والتوجه العام المسيحي لا بل الذاكرة الجماعية لدى المسيحيين، اذ ونقولها بصراحة وكما بات معروفاً وواضحاً للعيان، المسيحيون اليوم منقسمين الى تيارين: تيار متحالف مع النهج والفكر الايراني – الاسدي – الممانع وعلى رأسه “التيار الوطني الحر” المتحالف مع “حزب الله” ونهجه وسياساته في لبنان والمنطقة تحت لواء قوى 8 اذار، وتيار استقلالي سيادي متمثل بـ”القوات اللبنانية” ومعها “الكتائب اللبنانية” والذي يتحالف مع القوى العروبية والعمق العربي الاسلامي السني  وصولاً الى الخليج والذي يواجه المحور الممانع الآخر تحت لواء 14 آذار.

وبالتالي على المسيحيين ان يقرروا في من هو الفريق وبالتالي فإن الزعيم الأقوى ليس بالاستناد الى العددية الشعبية التي بدورها تبقى موضع جدل، اذا اخذنا بالاعتبار انضمام فرقاء سياسييين ذات انتماء مسيحي، ولكن توجهات سياسية موالية للخارج لا تمثل حقيقة التطلعات المسيحية التاريخية الاستقلالية، في تكتل واحد، بل بالاستناد الى الفكر السياسي للزعيم وفريقه، وهنا يصل بنا النقاش الى ما هو أبعد من الرئاسة الاولى ليضرب التحليل في عمق النظرة الى لبنان ودوره بين مسيحيين ينظرون اليه كساحة وحق ارتفاق عقاري للاخرين، ومسيحيين ينظرون اليه كصاحب الدور الأساسي والوحيد في تقرير مصيره وامتلاك قواه الذاتية وسيادته الناجزة .

لذلك فاننا نعتقد ان الجدال المفتوح في تحديد المواصفات الرئاسية للرئيس العتيد، تبقى بعيدة عن الواقع الحقيقي وعن حقيقة المشكلة ما لم تلامس السؤال الكبير: “عن اي مسيحي قوي نتكلم سياسياً”؟ اي هل ان الرئيس القوي هو الذي يتبنى سياسات محور الممانعة ام سياسات الاستقلال والسيادة اللبنانية اولا ؟

جدلية جوهرية لا بد من خوضها وحسم الخيار المسيحي بشأنها قبل البحث في مواصفات اقرب ما تكون الى المكياج الخارجي الذي يخفي حقيقة مكامن القوة والضعف المفترضين لدى المرشح.

Exit mobile version