
كلام إقليمي ودولي يشوبه الكثير من الغموض والارتباك حول مصير بشّار الأسد، ويتراوح على مستويين: رفض بقائه، والقبول به لمرحلة إنتقاليّة. وبينهما ثابتة تقول بأنّ لا مستقبل له في سوريّا.
عبارة “لا مستقبل له” تنطوي على فكرة القبول به لمرحلة إنتقاليّة، قد تطول أو تقصر وفقاً لتجاذبات الأمم واستراتيجيّاتها ومصالحها.
ولكن، عن أيّ “انتقال” يتحدّثون، وهل أنّ الأسد نفسه يستطيع التحوّل من حاكم مطلق إلى “جزء” من سلطة لمرحلة محدودة ينتهي بانتهائها؟
أمثاله من الحكّام الذين سبقوه رفعوا شعار “القصر أو القبر”، وكانت نهايتهم نفياً أو سجناً أو قتلاً أو إعداماً أو سَحْلاً في المجارير. وهو تفوّق عليهم دمويّة وإجراماً وإبادة وتدميراً وتشريداً للشعب السوري.
فمن يتحمّل الجلوس معه إلى طاولة واحدة لإدارة المرحلة، وهل هو نفسه يستطيع لجم جموحه وعنجهيّته، و”يتواضع” للقبول بضحاياه يشاركونه السلطة والقرار؟
قد ينجح القيصر الروسي بوتين في فرض حليفه ضمن مرحلة إنتقاليّة، ولكن ليس على سوريّا كلّها، بل على شريط من اللاذقيّة إلى دمشق تحت مسمّى “الدويلة البحريّة الغربيّة”، بأكثريّتها العلويّة الشيعيّة وأقليّتيها السنيّة والمسيحيّة، وهي نفسها التي عملت عليها إيران بعدما انهارت “الدويلة الشرقيّة” بين العمقين العراقي والسوري.
وحين تحدّثنا مراراً، في مقالات سابقة، عن التطهير المذهبي الحاصل في هذه المنطقة، منذ معركة القُصير وحمص وصولاً إلى القلمون والزبداني، كانت إيران هي صاحبة المشروع عبر أذرعها وألويتها، وأبرزها “حزب الله”.
اليوم، يحلّ بوتين محلّ “الفقيه”. لكنّ قيادة الأوّل لمشروع الثاني تعيد إيران إلى الصفّ الخلفي ومعها ” حزب الله”، فماذا سيكون دورهما في المرحلة الانتقاليّة؟
من الطبيعي أن نسمع خطاباً إيرانيّاً، مباشرةً أو على لسان قائد “حزب الله”، يُعلن انتصار “جبهة الممانعة والمقاومة” ونجاحها في تطويع العالم تحت لوائها في الحرب على “التكفيريّين”، بما فيه واشنطن و”الرفيق بوتين” وإسرائيل نفسها!
ولولا بعض الحياء، لسمعنا كلاماً مباشراً بأنّ طهران تقود الآن “الجبهة العالميّة للحرب على الإرهاب”، بعدما قادت سابقاً “الجبهة العالميّة ضدّ الشيطان الأكبر والاستكبار العالمي”. وباتت أميركا وأوروبا وروسيّا والصين مع دول “البريكس” وبعض العرب أعضاء فيها تتلقّى توجيهاتها من ميتروبول “الوليّ الفقيه”. ولا حرج في التنسيق مع إسرائيل مباشرةً أو بالواسطة عبر موسكو. فالجميع “أعضاء” وحلفاء وأصدقاء!
لكنّ الواقع غير ذلك تماماً. فإيران لم تَعُد في موقع القيادة، لا في اليمن حيث الأرض أصدق من البيانات، ولا في العراق حيث الانتفاضة الشيعيّة ليست مكتومة، ولا في سوريّا حيث يحمل الروس بيرق المرحلة، ولا في لبنان حيث انكسر وهج السلاح ورضخ لمنطق التسويات والتلطّي بالحوارات.
حتّى تلك “الدويلة البحريّة الغربيّة”، في إطار المرحلة الانتقاليّة، لن تكون مستقرّة لا في اليد الإيرانيّة كما بدأت، ولا في اليد الروسيّة التي آلت إليها.
فهي، في حقيقتها، تشكّل “قشرة جغرافيّة” قلقة باستمرار وغير مستقرّة بفعل عاملين: داخلي بسبب مكوّناتها غير المحسومة مذهبيّاً وسياسيّاً خصوصاً لجهة التكوين اللبناني الملاصق لها غرباً وغير القابل لتغيير توازناته التاريخيّة، وخارجي بفعل الامتداد الأكثري البشري والجغرافي الهائل نحو الشرق، في عمق يعبر سوريّا والعراق ويصل إلى الحدود الإيرانيّة نفسها، بل يخترقها إلى الأقليّات المذهبيّة والقوميّة في داخلها.
لذلك، فإنّ المرحلة الانتقاليّة السوريّة تؤسّس لرحيل الأسد من جهة لأنّه غير مهيّأ لحكم “دويلته” فترة طويلة، ولانكفاء “حزب الله” من جهة ثانية نتيجة الانكفاء الإيراني.
ولعلّ “انتقاليّة” سوريّا سترتدّ خيراً على لبنان، فتتراخى قبضة “حزب الله” على قصر بعبدا، وتبدأ إعادة تكوين الدولة من رأسها، خلافاً لأوهام الساعين إلى قلب الهرم على رأسه.
وبعد هذا الاستحقاق الذي يبدو ممكناً في المرحلة المتوسّطة المقبلة، بعد الاجتماعات المحوريّة حول لبنان في نيويورك، وبعد الزيارة المرتقبة للرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند إلى بيروت، يمكن للحراك المدني أن يكون أقوى وأفعل بأجندا واقعيّة للمحاسبة والتغيير.
“إنتقاليّة” لبنان نحو الانقاذ تصبح عمليّة بعد انتخاب الرئيس لا قبله. وكلّ الأطراف ستشعر بأهميّة هذه الخطوة الإلزاميّة للخروج من مآزقها، بما فيها الحراك و”حزب الله” نفسه.
“إنتقاليّة” مضطربة وغامضة في سوريّا، مستقرّة وواضحة في لبنان.