
كان مملاً كتاب “التربية المدنية”. في مدرسة الضيعة كنا ننتظر تلك الساعة ليس لنتشرّب المضمون، انما هي ساعة شرود العيون من الشباك الملاصق المطل على السهل وعلى “ام عقل” وهي تنشر الغسيل أو تنقّي العدس على السطيحة، أو على “ام عماد” وهي تجالس “ام عارف” في صبحية الضيعة في عزّ نوّار، ويبدأ الاستاذ أديب في شرح معاني ذاك الكتاب المليء بالقيم، قيم لعلها صارت بائدة كي لا نقول منقرضة.
ففي المنهج الرسمي ما زال الكتاب يتضمن كلمة “رئيس الجمهورية اللبنانية” مثلاً، وكيف يُنتخب، ويحكي اسطورة الديمقراطية، وحكاية حلوة عن البرلمان اللبناني، ويحكي عن الجيش بأنه القوة العسكرية الوحيدة التي تدافع عن الوطن وكيف يجب أن نحترمه وننضم اليه، ويحكي مثلاً عن المحافظة على بيئة لبنان وجماله، كتاب فيه ما فيه من الفضائل والشعر وكأنك تسبح في سماء ما تحوم من حولك الملائكة، سماء لا خطيئة فيها ولا من خطأة، مفعمة بالمواطنية الصالحة في كل الاتجاهات، ويجهد الاستاذ اديب لنتشرّب كل حرف، ولعله لم يكن يعرف أن الايام ستمر ويصبح كتاب التربية المدنية أسير المدنية الجديدة والمواطنية الحديثة المستجدة الطارئة على مشهد ذاك الكتاب المسكين المستوحد!!!
ما عاد يجوز أن يتضمّن المذكور المأسوف على مضمونه، ما كان يتضمنه سابقاً، فمثلاً وكي نجاري العصر المدموغ بقنبلة “فايسبوك” و”تويتر” والحراك السياسي والمدني الجديد، على كتاب التربية المدنية بنسخته الجديدة أن يلغي من “أدبياته” مثلاً ان انتخاب رئيس للبلاد هو أمر ملزم على النواب، وان يمكن للجمهورية أن تعيش في الهباء في الهواء تتمايل تتراقص على الفراغ لسنة سنتين دهرين عمرين لا يهم، ما دام مزاج البرلمان لا يتوافق مع مزاج الدستور!!!
ويمكن مثلاً اضافة تلك الفقرة عن الحكومة بأن ليس من الضروري أبداً أبداً أن تمارس صلاحياتها وفقاً لحاجات الناس وانطلاقاً من الدستور أيضاً، بل بحسب ما تمليه عليها الاحزاب المنضوية فيها “المتحابة” التي لا تشبع قبلات وعبطات وغمرات فيما بينها، فان هم أبدوا الرضى تمشي أمور الناس واذا لا عمرو ما حدن يمشي!!!
مثال آخر يمكن أن يضاف الى المنهج الذي يجب أن يحاكي تطور المواطنية في لبنان، فمثلاً لا بأس على الاطلاق أن يخترع المواطنون جبالاً لا تأخذ الكثير من وقت الزمن، وأن يحوِّلوا طرقاتهم وشرفاتهم وأحضانهم اذا أحبوا، الى جبال قمامة منعشة، اذ هكذا نصنع تغييراً جيولوجيا متحدين آلة الزمن تلك ولا تهم تلك المصطلحات مثل البيئة أو النظافة أو واجهة الوطن!!!
مثال آخر أكثر واقعية ويجب وضروري جدا أن يدخل ضمن دروس كتاب التربية المدنية، يمكن لأي حراك مدني أو شعبي أو ما شابه أن يحوّل أجمل وسط لأجمل عاصمة شرقية الى أوسخه لأجل تحقيق المطالب، شو عليه؟! اذ من ضمن اللعبة الديمقراطية ومن ضمن المطالب والثورات الشعبية أن تتحول المدن الجميلة الراقية الى شعارات على الجدران وتحطيم للمرافىء العامة!!
الامثلة كثيرة بعد ولا يمكن حصرها، لكن من الضروي جداً أن يتضمّن الكتاب الجديد ملاحظة في غاية الاهمية، اذ في الكتاب القديم تشديد على ان الولاء يكون لجيش الوطن وحده ووحده الذي يحمي الحدود ويزود عنا، هذا منتهى الشعر ولا بد من الاشارة الى أن ثمة جيشاً آخر في لبنان يخوض الحروب ساعة يهب مزاج الحرب، وليس بالضرورة أن تكون الحرب على أرضنا لاجل أرضنا، العاوزين كتار، اضافة الى أن ثمة جمهورية مهضومة ناشطة في قلب الجمهورية الاصلية والاصلية ممنوعة من الصرف في قلب تلك الجمهورية… هذا نموذج رائع عن التبديل بمزاج الاوطان ويجب أن يذكر…
هي أمثلة بسيطة مزهرة على ما يجب أن يتضمنه الكتاب الجديد، قد لا يعجب المضمون الاستاذ أديب وحسن انه أصبح متقاعداً لأنه مصرّ على العتيق، ومتمسّك تحديداً بتلك الفقرة التي تتحدث عن الاستقلال وعن الجمهورية واحترام الناس للقوانين…
استاذ أديب أنت تصعّب علينا الامور، تربية اليوم لا تتناسب وتلك المفاهيم كالديناصورات الخارجة من التاريخ، وشخصياً أنا ما زلت عند صينية العدس ع سطيحة “ام عقل”، هذه تربيتي المدنية الأن والى هناك أهرب، ويبدو يا استاذ أن هروبنا معاً سيطول…
