
حتى الدقيقة الأخيرة من تحرّكها في اتجاه وزارة الطاقة والمياه، لم تعلن مجموعة «بدنا نحاسب»، وجهة هدفها. بل وبحسب رسائل قصيرة تداوَلها ليلاً الناشطون، «إنّ التجمع سيكون عند منطقة العدلية»، وسط تكتّم شديد وإصرار مبَطّن، تكتنفه رغبة تكرار المباغتة التي شهدتها مديرية الواردات. «صَبّحوا ربكم، شو في من الصبح»، يَصرخ سائق التاكسي على غفلةٍ من أمره بمحاذاة كورنيش النهر، بعدما فاجأته مجموعة شبابية تعبر الطريق في اتجاه وزارة الطاقة تُرافقها مجموعة من الصحافيين والمصوّرين. فتمهّلَ قبل أن يكمل طريقه متأفّفاً: «يا ريت وقّفِت ع فاتورتين، أضّينا العمر فواتير وما شِفنا شي».
في التفاصيل…
قرابة الثامنة صباحاً، وعلى طريقة «أوّل دخولو شمعة طولو»، ساد الهرج والمرج منذ اللحظة الأولى التي حاولت فيها مجموعة «بدنا نحاسب» الدخولَ إلى حرم وزارة الطاقة، وسط غياب لأيّ تدابير أمنية موسّعة مسبقاً.
حاولَ الشبّان الدخول على نحو عفوي أسوةً بالموظفين، إلّا أنّ أحد الأمنيّين تنبَّه للأمر، وحاول صدّهم، فدار العراك والتدافع. وبعدما تمكّنت المجموعة من الدخول إلى حرم الوزارة، عادت واصطدمت بأحد الأمنيّين المدنيين لحظة ثنيِهم عن دخول المبنى. ونتيجة التدافع، ضرب أحد الناشطين الباب فتكسّر الزجاج وسقط أرضاً، فسارعَت الناشطات في المجموعة إلى كنسِه.
لم تكد تحضر التعزيزات الأمنية المشدّدة إلى محيط الوزارة لجهة الأشرفية – الدورة، حتى ضبَطت الأجواء وعاد الهدوء النسبي، خصوصاً أنّ الناشطين أجمعوا على عدم رغبتهم لا في اقتحام الوزارة ولا في تعطيل الموظفين عن عملهم، إنّما فقط «تسجيل موقف رافض للهدر والفساد والمحسوبية التي ظلّلت قطاع الكهرباء مع توالي الوزراء عليه، وهدر 30 مليار دولار أميركي».
على وقع إطلاق الصّرخات المندّدة بدفع فاتورة لمؤسسة الكهرباء وأخرى لأصحاب المولّدات، وتزامناً مع توزيع مناشير تحت عنوان: «فاتورة! مِش فاتورتين»، مفادُها: «قبل الـ 75 الكهرباء 24/24 مع بيع كهرباء لسوريا رغم الحرب، ومن الـ 90 إلى 92 الكهرباء 18 ساعة باليوم، غداً لبنان يسبح في الظلام…، إلتزمَ الناشطون البقاء في بهو الوزارة حتى الحادية عشرة لإلقاء كلمة باسمهم.
خلال هذه الفترة حاول الناشطون ضمّ الموظفين إلى صفوفهم، فمنهم من اكتفى بدعمهم المعنوي والشفهي، وآخرون أطلّوا من النافذة وفي ابتسامتهم تضامن ضمني. في هذا السياق، أوضحت نعمة بدر الدين لـ«الجمهورية» خلفية ما حدث، قائلة: «لا نرغب في احتلال الوازرة ولا في الاعتداء على مرافق عامّة، وقد كُسر الزجاج كردّة فعل عفوية بعد توقيف أحد الناشطين، كلّ ما في الأمر أنّنا أردنا الوصول إلى المدخل لتعليق يافطة على الباب الرئيسي قبل رفعِ مطالبنا، إلّا أنّ القوى الأمنية منعتنا من الدخول، فحصل ما حصل».
من جهتها، اعتبرَت الموظفة أمل أنّ مشاركتها في التحرّك «تهدف إلى لفتِ نظر المسؤولين إلى وضع الموظف في الإدارات العامّة، وإلى الراتب الذي لا يكفيه حتى نهاية الأسبوع الأوّل من الشهر»، مطالبةً مع زملاء لها بإقرار سلسلة الرتب والرواتب.
المفاجآت تتواصل
قبل انتهاء الوقفة الاحتجاجية، أعلنت حملة «بدنا نحاسب» أنّها ستنفّذ يوم السبت 3 تشرين الأوّل تحرّكاً أمام مؤسسة كهرباء لبنان، مشيرةً إلى «أنّ كلّ الخيارات مفتوحة أمامها لأنّ مصلحة الشعب اللبناني فوق كلّ اعتبار».
وليلاً، عادت وأعلنت المجموعة استكمالَ حملاتها على الوزارات «لتبيان حقيقة الفساد والهدر»، مشيرةً إلى «أنّ الإشكال الذي وقع خلال اعتراض الناشطين على تنفيذ وقفتهم الاحتجاجية من «مدنيين»، أدّى إلى حصول إشكال بين الناشطين والعناصر المذكورة، ممّا خلق جوّاً من التشنّج والتدافع، قام المشرفون على النشاط بحلّه سريعاً»، مؤكّدةً «سِلمية تحرّكاتها وأنّها لا تستهدف الموظفين والقوّة الأمنية، وهي بالتالي تحرص أشدّ الحِرص على سلامة الممتلكات العامة والخاصة».
قوى الأمن توضح
في موازاة ذلك، أوضحت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي أنّه «تبيّن من خلال مشهد فيديو أنّ مَن كسَر زجاج المدخل هو أحد المشاركين في الاعتصام، ويدعى ب. ح. لبناني، وليس أحد عناصر قوى الأمن الداخلي، وهو أحد الأشخاص الذين كتبوا بتاريخ 03/09/2015 على عدّادات الوقوف في بيروت وحاوَلوا تعطيلها، وكان أوقِف في حينه مع آخر»، متمنّيةً على المنظمين «الذين يدلون بتصريحات إلى وسائل الإعلام توخّي الدقّة وعدمَ توجيه الاتّهامات جزافاً، حفاظاً على صدقيتهم».
تبقى العيون مشدودة إلى طبيعة التحرّك الذي ستشهده مؤسسة كهرباء لبنان، خصوصاً أنّها لم تكد تلملِم أوضاعها بعد الحراك الطويل الذي نفّذه المياومون، فهل يتكرّر المشهد؟