#adsense

العراق وحراك ساحة البرج لا الشهداء

حجم الخط

أشياء كثيرة في بغداد، تجعلك تشعر كأنك في بيروت. الفارق أن المآسي والأزمات في بلاد الرافدين، لا تعطل استحقاقات ما يسميه العراقيون “العملية السياسية”. وهذا التعبير يعني لبنانياً ما نسميه نحن “الاستحقاقات الدستورية”.

بماذا يمتاز العراق في معاناته عن لبنان؟

بدأ الحراك المدني العراقي، قبل عشرة اسابيع، لكنه اتخذ له مكاناً وزماناً محددين. المكان هو هو. ساحة التحرير. الزمان هو هو. يوم الجمعة. ساحة التحرير بعيدة نسبياً عن المراكز التجارية والسياحية، وبعيدة فعلياً عن كل الوزارات المستهدفة من الحراك. والجمعة هو يوم العطلة.

الحراك العراقي، مدني، علماني، شبابي، يساري. لكنه حراك مقنع مقارنة بحراك بيروت.

محركو الحراك العراقي، وصودف أنني أعرف بعضهم من سنوات، في روحهم صفاء، يجعلك تتعاطف معهم. لا أعلم لماذا لا أشعر بهذا الصفاء في “محركي بيروت”؟ قد يكون من اسباب انحيازي أن ساحة التحرير ليست حكراً على نجوم يتكررون. الكثير من محركي حراك العراق، مناضلون فعلاً. ولا يجدون وقتاً للإطلالات التلفزيونية التي أحيانا تبدأ من الثامنة صباحاً الى منتصف الليل. شباب بغداد، قبعوا في سجون صدام لأنهم يساريون. وحاربتهم الدولة الجديدة لأنهم غير طائفيين. ويسمون الفاسدين بالأسماء. إنهم مئات لا بل آلاف اقتربوا من الموت ضرباً وتعذيباً، وقُتل لهم أقارب لا لشيء، إلا لأنهم أقاربهم. ورغم ذلك هم دائمو الابتسام. لم يحقدوا على أحد، بل كم رأيتهم يضحكون من وعلى كل جلاديهم.

في لبنان، ثمة سماجة لا بل وقاحة في إدعاء النضالات والتضحية. بعض المتظاهرين تشعر بأنه حاقد على نفسه قبل أن يحقد عليك أو على هذه الدولة!

كلما لوى دركي يد متظاهر يريدك أن تشعر بأن نضالاته “غيفارية”، أوكأنه عانى عذاب يسوع على الصليب. لو يعلمون في بيروت التاريخ الدموي لأعداء حراك بغداد، لخجلوا. ثمة رومانسية محببة في روح شابات وشبان العراق. هم بعد كل حراك، يتجمعون ويغنون ويرقصون، وأحيانا “يشربون البيرة”! في العراق الحراك لا يقتصر على نجوم العاصمة. كل يوم جمعة ثمة تظاهرات في المحافظات تفوق بأعدادها المتظاهرين البغداديين. لا بل وربما رداً على “الزيارات الدينية”، حين يندفع الآلاف بل الملايين الى  المزارات، هناك نوع من “زيارات مدنية”، تأتي من المحافظات الى ساحة التحرير. طبعاً الأعداد لا يمكن مقارنتها، ولربما هذا سبب من اسباب رومانسية  “المدنيين” العراقيين وصفائهم. وأهم المهم أن هؤلاء المدنيين اليساريين مدعومون بالأفعال لا العظات من أهم مرجعية دينية في العراق. لا بل، ولأن يوم الجمعة وقع في عيد الأضحى، وعيَّدَ الحراك، قالت المرجعية  بأن تظاهرات الجمعة التالية ستكون أكبر وأزخم!  والمدنيون من الإشارة يفهمون على آية الله السيستاني! في لبنان لم نعثر على سيستاني واحد. وأنا أشعر أن حراك بيروت ليس مسرحه ساحة الشهداء، بل ساحة البرج. برج بابل.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل