
“إنت بتموت على صرماية اجري”، تستخدم هذه الجملة للتعبير عن “فائض الحب”، وقد تستخدم أيضاً لمغازلة الحبيب، وفي أحيان كثيرة تستخدمها الفتاة كطريقة تمدح بها حبّ شاب لها أمام الجميع. “أن تموت على صرمايتها” بالمعنى اللبناني يعني أنّك مستعدّ لفعل أي شيء لأجلها وبأنّك مستعدّ لتقبّل الأشياء البشعة فيها نسبة إلى أن الأقدام تدوس الأرض.
لم يتصور أحد من أقرباء ميشال الذي أحب ابنة عمه منذ صغره أنّه سيتخلّى يوماً ما عن حب طفولي ولد في عمر الثانية عشرة بسبب تعبير كهذا. المفاجأة كانت في أنّ ميشال لم يتخلَّ عن هذا الحب بطريقة اعتيادية، بل قرر أن يتزوج في عمر الحادية والعشرين. شعر ميشال أنّ كرامته قد تشوّهت. لم يحتمل أن تعتبر حبيبته حبه لها بمثابة انصياع، فاتخذ الزواج وسيلة للانتقام. لم تكن فكرة اختيار العروس صعبة، لم يكن هناك أية مواصفات لفتاة أحلامه. الزواج بالنسبة إليه كان تحدّياً يسعى للفوز به لا أكثر، ولكي يجعل الانتقام أكثر جدية تزوّج خطيفة. ميشال، وهو اليوم أب لطفلتين، يتساءل ماذا لو لم يسبقه الغضب لارتكاب هذه “الحماقة”، ويحاول تبرير فعلته بعدم النضج، لكنه لا يستطيع أن يتهرب من وضع نفسه في خانة المذنب، خاصةً عندما يتذكر طفلتيه اللتين تعيشان مع والدين لا ينفكان عن التشاجر. كل ذلك بسبب أن الأب والأم تزوّجا في أقل من أسبوع ولهدفٍ مبطن لم يقر به ميشال لأحد.
***
إذا كان ميشال قد تزوّج ليشفي جرح كبريائه، فإنّ سعيد قد اتخذ قرار الزاوج لأنّه واجب ديني يمنعه من الانحراف. لكن لم يكن الواجب الديني حافزه الوحيد، الحب كان شريكاً في اتخاذ سعيد لقراره بالزواج. يقول ابن العشرين إنّه سيختبر نفسه جنسياً للمرة الأولى في حياته مع الشابة التي اختارها زوجةً له، والتي تصغره بسنة واحدة. يصرّ سعيد على كونه سيبقى وفياً لها طوال عمره، وبأنّه لن يتزوج بامرأةٍ أخرى. لا يجد سعيد مشكلة في أن تكون هذه المرأة الأولى والأخيرة في حياته. يبدو الشاب متحمّساً لفكرة زواجه بعد أسبوع، فهو حلم دائماً بأن يكون مع هذه الفتاة التي يحبها منذ سنتين. الآن سيكون “حبه شرعياً”، حسب قوله. سعيد الذي يعمل في الكهرباء منذ صغره سيعيش في بيت جده القديم، ريثما يدخر مالاً يكفيه لشراء شقّةٍ خاصةٍ به.
***
لم تعلم سميّة أن حلمها في أن تصير أماً سيتحقّق سريعاً. كانت لا تزال في الصف الثاني المتوسط، عندما بدأ الجميع يلاحظ باستغراب مشهد انتفاخ بطنها يوماً بعد يوم. لم تلتفت هي إلى هذا التطوّر الغريب، اعتقاداً منها أن هذا الانتفاخ هو مجرد زيادة بسيطة في الوزن.
بقي الأمر هكذا حتى أخبرت إحدى صديقاتها وبسعادة مفرطة عن لقائها بزميلها محمد، الذي يكبرها بسنتين، صدفةً في الرحلة المدرسية. شرحت سمية لصديقتها كيف لعبت مع محمد، في مكان بعيدٍ عن الأنظار، “اللعبة التي لا يلعبها إلا الكبار”، إمّا للذّة وإمّا للإنجاب. عرفت سميّة عبر صديقتها أنّ زيادة الوزن هذه هي نتيجة حملها بمخلوق آخر. بالتالي، لم تستطع أن تكتم هذا السر عن والدتها، خاصةً أن الأخيرة كانت تشكّ في أنّ مرضاً ما قد أصاب ابنتها وألحّت عليها بزيارة الطبيب في أقرب وقت. قررت سميّة أن تعترف لوالدتها بما حصل.
“هذا عار”، بهذه العبارة وصفت الأم ما جرى مع ابنتها، ورأت في أن الحل الأمثل والوحيد يكمن في تزويج ابنتها من الشاب. أرادت الأم أن تسكت أفواه الناس التي لم ترحم طفولة ابنتها. كان الزواج لسميّة أشبه بالعقوبة على جريمة لم ترتكبها. اضطرت الصبية لترك مدرستها من أجل التفرّغ لتربية طفلها، وهي تعيش اليوم مع زوجها في منزل أهله.
اليوم، وعلى الرغم من أنّها تزوّجت من محمد لتغفر خطيئتها، لكنّ الناس لا يزالون يتهامسون بين بعضهم البعض بقصتها. تخجل سمية من إخبار طفلها بحملها به قبل الزواج، لكنّها لن تخشى من إخباره كيف أنجبته.