إفتتاحية “المسيرة”: فاتهم أن “القوات”…

افتتاحية “المسيرة”: العدد 1529

يعتقد البعض عن جهل أو عن سذاجة أو عن سوء نية أن ما تقوم به “القوات اللبنانية” اليوم يشبه ما فعلته في العام 1990. وربما لدى هؤلاء أوهام يتمنون أن تتحقق ومنها أن الزمن سيدور دورته وأن الدكتور سمير جعجع قد يلاقي المصير نفسه الذي لاقاه في العام 1994. ولكن فات هؤلاء أن التاريخ لا يعود الى الوراء وأن حركته تسير في اتجاهها الصحيح، وأن “القوات اللبنانية” ورئيسها سمير جعجع في قلب هذه الحركة التي لن تؤدي في النهاية إلا الى تأكيد سيادة لبنان وحريته واستقلاله.

فات هؤلاء أن “القوات اللبنانية” في حركتها هذه الأيام لا تختلف عن “القوات اللبنانية” في حركتها في العام 1990 وما بعده.

فات هؤلاء أن عهد الوصاية ولى وأن “القوات اللبنانية” في عز قوتها لم تهادن ذلك العهد وفي عز ضعفها لم ترضخ له.

فات هؤلاء أن سمير جعجع بصموده في خلال أعوام اعتقاله الأحد عشر في السجن الصغير، وأن “القوات اللبنانية” في نضالها المستمر داخل السجن الكبير كانوا في أساس انفجار ثورة الأرز.

نسي هؤلاء أن “القوات” لم تتغيّر، وأنها منذ وقفت ضد الانقلاب على الطائف لم تكن تضع في حساباتها إلا حساب مواجهة تحويل لبنان الى ولاية سورية.

نسي هؤلاء أن “القوات” عندما رفضت أن تشارك في سلطة الوصاية على رغم كل الإغراءات التي قدمت لها إنما لم تكن ترضى أن تكون مجرد شاهد زور على إعدام لبنان.

نسوا أن سمير جعجع عندما لم يقبل أن يكون وزيرًا على رغم تسميته كان يدرك مدى خطورة ذلك الرفض. وكان يدرك أنه، وإن كان وحيدًا مع “القوات” في الواجهة وفي المواجهة، فهو لا يترك الساحة ولا يرضخ ولا ينحني. فمن كان عنده ذلك التاريخ كيف له أن يدخل بيت الطاعة.

فات هؤلاء أن سمير جعجع وهو في المعتقل كان أقوى ممن كانوا في كل مستويات السلطة. كان حرًا بينما كان الآخرون أسرى اللعبة التي دخلوها.

بين العام 1994 والعام 2015 مسافة شاسعة في الزمن وفي تبدل الظروف. لم يخف سمير جعجع في دولة الوصاية عندما كانت في عز قوتها، فهل سيخافها اليوم وهي آيلة الى السقوط وبعدما فقدت وصايتها حتى داخل ما كان يشكل الدولة السورية؟ هل سيخافها اليوم ورئيس النظام السوري يعيش هو نفسه داخل سجن صغير وفي سجن كبير؟

عندما يرفض سمير جعجع أن تشارك “القوات اللبنانية” في حوار الوقت الضائع وفي حكومة اللاقرار فهو يريد أن لا تذهب الدولة الى وصاية جديدة وأن تكون السلطة سلطة القرار الفعلي. وهو يريد أيضًا أن تعود الدولة الى الدولة.

كان سمير جعجع في العام 1994 ضد رئيس الجمهورية المعيَّن والتابع. وهو اليوم ضد أي رئيس مماثل وضد الفراغ.

في العام 1994 كان سمير جعجع ضد سلاح “حزب الله”. وفي العام 2015 لا يزال ضد هذا السلاح.

في العام 1994 كان مع الدولة العادلة والقضاء العادل، وهو في العام 2015 مع هذه الدولة وهذا القضاء.

في العام 1994 كان مع جيش لبناني غير خاضع للوصاية، وهو اليوم مع جيش لبناني لا يمكن أن يكون أحد وصيًّا عليه.

في العام 1990 كان مع تسليم السلاح الى الدولة، وفي العام 2015 يرفض أن يكون هناك سلاح خارج إطار الدولة.

في العام 1990 خرج من دائرة الأمن الذاتي، وفي العام 2015 يرفض العودة الى الأمن الذاتي.

منذ العام 1975 كانت “القوات” حاملة لواء قضية لبنان. فهل يمكن أن تتخلى اليوم عن هذه المهمة؟

الذين اعتقدوا قبل خمسة وعشرين عامًا أن “القوات” انتهت وأن سمير جعجع صار من الماضي عليهم أن يدركوا اليوم أن سمير جعجع و”القوات” هم الأكثر حضورًا في معركة الجمهورية من أجل لبنان ومعركة لبنان من أجل الجمهورية.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل