قدر بعض الاوطن أن تلقي مقصلة الجغرافيا بثقلها على تاريخه، ومن هذه الاوطان الاردن ولبنان المهددان دائماً بأزمات الدول المحيطة بهما. فالمملكة الهاشمية، مفتوحة دوماً على جرح فلسطين ولعنة قيام دولة اسرائيل، وتلفحها أعاصير سوريا والعراق. وكذلك لبنان الذي دفع الثمن الاغلى عربياً بسبب قضية فلسطين يوم سعى بعضهم الى تحويله وطناً بديلاً، والذي تحوّل اليوم ساحة لإرتدادات الحرب السورية والسبب الرئيس إصرار مكون رئيس فيه وهو “حزب الله” على القتال خارج حدوده.
في الاردن التركيبة الديمغرافية حساسة حيث نحو 60 في المئة من المواطنين من أصل فلسطيني، أضف الى ذلك البعد العشائري في هذه التركيبة. وفي لبنان أيضاً تركيبة ديمغرافية دقيقة إذ هناك أكثر من 19 مذهباً دينياً في زمن الاحتدام المذهبي في المنطقة. وفي الاردن كما لبنان، أزمة توافد مئات آلاف اللاجئين من سوريين وعراقيين تلقي بثقلها الديمغرافي والمعيشي والاقتصادي والاجتماعي.
ولكن في الاردن رأس للبلاد هو الملك عبدالله بن الحسين، أما عندنا في لبنان فرؤوس كثيرة لبلاد بلا رأس حيث يتربّع الفراغ على كرسي قصر بعبدا منذ خمسمئة يوم ويوم.

لا يمكن للمرء أن يزور عمان إلا وتلفته ظاهرتان فيروز والامان. فيروز في الفنادق والمطاعم والمحال وسيارات الاجرة، تجتاح قلوب الاردنيين، ظاهرة أين نحن منها في لبنان!!! أما الأمان، فيظهر بحجم الجرائم المنخفض وبالاستقرار الامني في ظل قلة الاعمال الارهابية، وبهيبة الدولة المتجلية بمؤسساتها العسكرية. فلا دويلات ولا مخيمات، وحضور قوي ولكن “لبق” لرجال الامن ولا يخلق قلقاً أو ذعراً.
نجح الاردن بإستيعاب ما يجري حوله، فنظّم مسألة اللاجئين وضبطها، وتعاطى بحذر وحكمة مع المسألة السورية، وعند الجد تعاطى بحزم أيضاً. فقد شكل قتل مسلحي تنظيم “داعش”، الطيار الحربي الاردني معاذ الكساسبة بالحرق حيا بعد أسره، نموذجاً على هذا الصعيد. دخل الاردن في مفاوضات لتحريره، ولكن ما إن قتل حتى سارع وخلال ساعات الى تنفيذ حكم الاعدام بالعراقية ساجدة الريشاوي (وهي امرأة حكم عليها بالإعدام لدورها في هجوم انتحاري استهدف فندقاً في عمان عام 2005، وأسفر عن مصرع 57 شخصاً) وبزياد الكربولي المنتمي لتنظيم “القاعدة”. وترافق ذلك مع قطع الملك عبدالله الثاني زيارته الى الولايات المتحدة والعودة فوراً الى بلاده. والاهم شكّل إستشهاد الكساسبة صفعة قوية للمتشددين في الاردن، اذ عزّز الوحدة الوطنية في المجتمع وقطع الطريق على قيام حال من التعاطف مع “داعش”.

أما عندنا في لبنان، فأعدم “داعش” العسكري تلوى الآخر، ولم يتم اي رد فعل بحجم الحدث!!! عندنا عسكريون معتقلون في الجرود لدى “داعش” و”النصرة” منذ أكثر من سنة، ولا وضوح في مسار التفاوض. عندنا اللاجئون السوريون، أرض خصبة للمشاكل الأمنية والاجتماعية بسبب “الزواريب الضيقة” في معالجة هذه المسألة منذ اليوم الاول. عندنا لا امان على عكس عمان، بل سلب وتشليح وسرقة في وضح النهار، وخطف مقابل فدية وسلاح ومخدرات وإتجار. عمان غارقة في الاستقرار وبيروت غارقة في النفايات. وبالطبع السبب الرئيس لأن البلاد بلا رئيس بلا رأس يحكم ويحسم.