#adsense

كيف تدعم إيران التنظيمات الارهابية؟

حجم الخط

على الرغم من أن إيران عادةً ما تُنكِر تقديم أي دعم عسكري للجماعات الإسلامية الراديكالية، فإنها خلال حرب غزة عام 2012 حرصت على التباهي بالدعم العسكري والمالي والتكنولوجي الذي قدمته للمجموعات الفلسطينية المسلحة في قطاع غزة.

يبدو أن مسألة التزام إيران بتسليح الجماعات الراديكالية مُتجذِرة بعمق في العقيدة السياسية الإيرانية، فإيران مستعدة للتغاضي عن الخلافات الدينية من أجل بناء مكانة رفيعة ونفوذ واسع لها بين دول العالم الإسلامي، وليس فقط داخل الطائفة الشيعية.

وخلافاً لتسليح “حزب الله” اللبناني، كان تسليحُ بعض الجماعات الفلسطينية تحدياً كبيراً لإيران على المستويين الأمني واللوجستي، ففي حين استطاعت طهران الوصول إلى لبنان بسهولة عبر سوريا والحدود اللبنانية، كان الأمر أكثر صعوبة عندما تعلق الأمر بنقل الأسلحة إلى قطاع غزة، بسبب بعد تل أبيب نسبياً عن الحدود الإيرانية، والتشديد الأمني الإسرائيلي على الحدود.

وقبل بداية موجة الانتفاضات العربية، نجحت إيران في تهريب الأسلحة الإيرانية المختلفة عبر البر والبحر، وقد مكّن الانسحاب الإسرائيلي من الحدود بين قطاع غزة ومصر في أيلول من العام 2005، وسيطرة “حماس” على قطاع غزة في حزيران من العام 2007، من تسهيل إمداد القطاع بكميات كبيرة من منظومات الأسلحة الثقيلة، مثل: صواريخ جراد 122 ملم. (مدى 20 كم.) ومنها تم تهريب هذه الأسلحة عبر الأنفاق.

وهذه مجموعةً من المراحل لتهريب الأسلحة الإيرانية:

ـ فيلق القدس: وفقاً للتقرير الصادر عن وزارة خارجية الولايات المتحدة في نيسان 2014 حول الإرهاب، يُعتبر فيلق القدس الأداة الأكثر أهمية وفاعلية داخل القيادة الإيرانية وفي عملية صنع القرار، فهو المسؤول عن تسليح الجماعات الراديكالية، سواء في قطاع غزة في مصر او اليمن.

وفيلق القدس هو واحد من خمسة فروع للحرس الثوري الإيراني الذي يُعتبر أقوى هيئة عسكرية وأمنية في إيران، والداعم الرئيسي للنظام. وقد مكّن “الحرس الثوري” النظام الإيراني من مواجهة أعدائه الخارجيين، خاصةً الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل والدول العربية الموالية للغرب.

وركّز فيلق القدس على تحويل “حزب الله” اللبناني إلى واحدة من الجماعات الأفضل تسليحاً في العالم. وفي بداية عام 2000، وبمساعدة من “حزب الله”، كثّف فيلق القدس دعمه للجماعات “الراديكالية” في الشرق الأوسط.

وكان فيلق القدس مسؤولاً عن العمليات الأولى لتهريب الأسلحة إلى غزة وسيناء، عبر السودان بحراً وجوّاً، مستخدماً تكتيكات متعددة لتمويه شحناته العسكرية، كاستخدام شركات الطيران المُستأجرة، أو استخدام السفن التي ترفع “أعلام المواءمة” Flag of Convenience Ships التي يُقصد بها السفن التي ترفع علم بلد آخر غير علم البلد المملوكة له.

وعلى سبيل المثال، عام 2009، استأجرت إيران طائرات من شركة بدر السودانية للخطوط الجوية، وذلك لنقل شحنات أسلحة من إيران إلى السودان، وقد تم تهريب الأسلحة على ما يبدو إلى قطاع غزة باستخدام المهربين المحليين في السودان ومصر.

ـ السودان: يُمكن اعتبار السودان إحدى أهم الدول التي تضم مراكز لوجستية في نقل الأسلحة الإيرانية. ومنذ التسعينات، كانت إيران مورداً رئيسيّاً للأسلحة لنظام البشير، ودعمته ضد الجماعات المتمردة في جنوب السودان ودارفور. أما في عام 2007، فوقّعت الدولتان اتفاقية للدفاع المشترك، والتي شملت توريد الأسلحة، مثل القذائف الصاروخية، والطائرات من دون طيار.

وقد أشار بحثٌ أجراه “مشروع مسح الأسلحة الصغيرة” إلى أن السودان وعن طريق المساعدات الإيرانية، أصبحت مركزاً لصناعة الأسلحة الصغيرة، والقذائف الصاروخية، وقذائف المورتر، والصواريخ قصيرة المدى. وهو ما مكّن السودان من أن تكون مورداً مباشراً للأسلحة لعملاء إيران، وليس مجرد محطة عبور للأسلحة.

ـ مهربو السلاح: استخدم فيلق القدس المهربين السودانيين والمصريين لنقل الأسلحة الإيرانية من السودان وعبر مصر إلى قطاع غزة وسيناء. فعصابات التهريب السودانية، ومنهم من ينتمي إلى قبيلة “الرشايدة”، تقوم بنقل شحنات الأسلحة الإيرانية إلى الحدود المصرية من خلال مساحات مهجورة في الصحراء النوبية في شرق السودان.

ومن خلال المهربين المصريين من بدو سيناء، الذين ينتمي معظمهم إلى قبيلة “السواركة” و”الرميلات”، يتم نقل شحنات الأسلحة على الأراضي المصرية عبر سواحل البحر الأحمر، والتي تُعتبر مناطق غير مأهولة بالسكان، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى شبه جزيرة سيناء، ومن هناك يتم تهريبها إلى قطاع غزة عبر أنفاق رفح.

عمليات تهريب الأسلحة من سيناء إلى قطاع غزة قد نشطت نتيجة ربحيتها العالية، وعدم وجود مصادر بديلة للدخل، إلى جانب التقارب الفكري بين الجماعات الراديكالية في سيناء وقطاع غزة.

ليس هذا وحسب، بل إنه ونتيجة زيادة الطلب على الصواريخ في قطاع غزة، قام المهربون المصريون في سيناء بإنشاء بنية تحتية لإنتاج هذه الأسلحة. ونتيجة سهولة عمليات تدفق الأسلحة من السودان إلى مصر وغزة، نشطت الجماعات الجهادية المتطرفة التابعة لتنظيم القاعدة والجهاد العالمي في مصر، وأصبحت مصدراً لإزعاج السلطات المصرية.

ـ أنفاق رفح: جرى تعاون تجاري بين الجماعات الراديكالية وأصحاب الأنفاق على كلا الجانبين الفلسطيني والمصري من رفح، والذين ينتمي بعضهم إلى نفس العشيرة، وذلك من أجل نقل شحنات الأسلحة الإيرانية. فخلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، كان يتم استخدام الأنفاق لتهريب الفلسطينيين المطلوبين لدى إسرائيل إلى مصر، وبعد انسحاب إسرائيل من غزة عام 2005، تم استخدام الأنفاق لنقل الأسلحة.

وتحتوي رفح على عدة مئات من الأنفاق النشطة، والتي يتراوح طولها من مئات الأمتار إلى عدة كيلومترات. ويتطلب إنشاء هذه الأنفاق مدة زمنية تتعدى الأشهر، كما تتطلب معرفة مهنية ومئات الآلاف من الدولارات.

وقد اعتمد بناء هذه الأنفاق على التمويه، حيث تقع فتحاتها في المنازل الخاصة، أو في الحظائر في المناطق الزراعية. وغالباً ما تُغطي الخيام فتحات الأنفاق أثناء إجراء عمليات التهريب، ثم تُغلق بعد اتمامها بطرقٍ مختلفةٍ.

 

تهريب السلاح والانتفاضات العربية:

أثّر اندلاع موجة الانتفاضات العربية في بداية عام 2011 بشكلٍ كبيرٍ على عمليات تهريب الأسلحة من شمال شرق إفريقيا إلى غزة وسيناء، فمع اندلاع “الحرب الأهلية السورية” رفضت “حماس” الوقوف إلى جانب نظام الأسد، بل دعمت المجموعات السورية المعارضة، وهو ما تسبب في تدهور علاقاتها مع إيران.

ونتيجة لذلك، اعترفت قيادة “حماس” بأن إيران قطعت دعمها عن الحركة، ولكن من غير المؤكد أن هذه القطيعة شملت الدعم العسكري. كما اضطرت قيادة “حماس” الخارجية لمغادرة دمشق، وتوجه بعض أعضائها إلى مصر وقطر وغزة. ومن دون وجود مقر العمليات في دمشق، واجهت “حماس” تحديات كبيرة لتنسيق تهريب الأسلحة إلى غزة، هذا أكدت بعض التقارير أن إيران حافظت على دعمها العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، والتي أعلنت الحياد تجاه “الحرب الأهلية” في سوريا.

من ناحيةٍ أخرى، وعقب الإطاحة بمبارك في شباط من العام 2011، تضاءلت سيطرة قوات الأمن المصرية على سيناء، وتشجعت الجماعات المسلحة على نقل الأسلحة والبضائع المدنية إلى قطاع غزة بقدرٍ كبيرٍ من الحرية بدلاً من تهريبها ليلاً. ففي أواخر عام 2013، تمكّنت “حماس” من تهريب عشرات الصواريخ M-302 سورية الصنع ذات مدى يبلغ 150 كم. إلى قطاع غزة، استخدمتها خلال عملية “الجرف الصامد” في 2014.

كما أدى انهيار نظام القذافي في تشرين 2011، إلى تدفق كميات هائلة من الأسلحة غير المشروعة إلى ليبيا، وذلك لدعم المتشددين الذين تربطهم صلة بتنظيم القاعدة في شمال إفريقيا والشرق الأوسط. كما أن ليبيا كانت مستورداً كبيراً للأسلحة في السابق، وامتلكت مجموعة متنوعة من أنظمة التسليح، وقعت معظمها في يد الجماعات المتمردة عقب سقوط القذافي، بما في ذلك الأسلحة الصغيرة، وقاذفات القنابل الصاروخية، والصواريخ، والمتفجرات، فضلاً عن الأسلحة الخفيفة المضادة للطائرات، وأنظمة الصواريخ المضادة للدبابات.

وكلُّ ما سبق، جعل من ليبيا سوقاً رائجاً للأسلحة في المنطقة، ومن ثَمَّ مصدراً جديداً وهاماً لتسليح الجماعات المسلحة. فعلى سبيل المثال حصلت “حماس” من السوق الليبي على ما يقارب 100 صاروخ SA-7 مضاد للطائرات، والتي استخدمتها ضد طائرات سلاح الجو الإسرائيلي خلال عملية “الجرف الصامد”.

ونتيجة لملابسات الوضع السياسي المصري التي أزاحت جماعة الإخوان المسلمين من الحكم، وجعلتهم في حال عداء مع النظام السياسي المصري الحاكم حاليّاً، وبالنظر إلى علاقات التحالف بين “حماس” وجماعة الإخوان المسلمين في مصر، فقد اعتبر النظام المصري حركة “حماس” إحدى مهددات الأمن القومي المصري، ومن ثَمَّ انخرط النظام المصري في مكافحة أنشطة تهريب الأسلحة إلى قطاع غزة عبر أنفاق رفح، وأغلاق المئات من هذه الأنفاق.

ولأن أنفاق رفح لم تكن تُستخدم في أغراض تهريب الأسلحة فقط، وإنما استُخدمت أيضاً في تهريب البضائع والمنتجات المدنية المختلفة إلى القطاع، أدى إغلاقها إلى نتائج اقتصادية وخِيمة على السكان المدنيين في غزة، حيث تفاقمت أزمة الكهرباء والوقود والمواد الغذائية. وتقدر بعض التقارير أن حكومة “حماس” فقدت ما يقارب 500 مليون دولار سنوياً، كانت تحصل عليهم كإيرادات ضريبية من تجارة الأنفاق.

كما تسبب إغلاقُ الأنفاق في تراجع القدرات العسكرية لكثير من الجماعات المسلحة، وفاقم ذلك ما قامت به إسرائيل من تدمير لجزء كبير من البنية التحتية لـ”حماس” لإنتاج الصواريخ. وهو الأمر الذي دفع المرشد الأعلى للثورة الإيرانية “علي خامنئي” لأن يُوصي بإعادة تسليح الفلسطينيين.

عمليات تهريب الأسلحة إلى غزة وسيناء باتت صعبة، وتواجه العديد من التحديات، في حين أن عملية التسليح لا تزال الهدف الأول للجماعات المسلحة كافة، ومن ثمّ سوف يحتدم الصراع بين الفاعلين من غير الدول في هذه المناطق والسلطة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل