لعلّ الخطأ الاستراتيجي الأكبر الذي ارتكبه فلاديمير بوتين هو إسباغ طابع أقلّوي ديني أو طائفي على التحالف الذي يقوده في سوريّا، سواء عن قصد أو بدون قصد، وتسبّبه بحال إرباك بين الكنيسة الروسيّة والكنيسة الأنطاكيّة، وسعيهما إلى الخروج من صبغة “الحرب المقدّسة” التي صبغت حربه السوريّة.
والسبب في هذا الارتباك يعود إلى غياب العنوان السياسي الواضح والعادل للتدخّل الروسي العسكري. فلا يكفي رفع شعار الدفاع عن نظام بشّار الأسد ومحاربة الارهاب، بينما سجِلّ هذا النظام بالغ الثقل الدموي بحيث لا يستطيع أحد حمله، كما أنّ محاربة الارهاب باتت وجهة نظر روسيّة تخلط بين الارهاب والاعتدال، وتُغير الطائرات على مواقع المعارضة المعتدلة قبل مواقع “داعش”.
في المشهد الأمامي للحرب الروسيّة تتصدّر صورة “تحالف أقليّات” بقيادة موسكو يضمّها مع الشيعة والعلويّين وبعض أجزاء من أقليّات دينيّة أُخرى، في وجه الأكثريّة السنيّة في العالمين العربي والإسلامي. وليس أدلّ إلى ذلك من التهليل والترحيب بدءاً من طهران وصولاً إلى “حزب الله” في لبنان وحلقته المسيحيّة الموعودة ب”انتصار تشرين”.
وليس التنسيق الجاري على قدم وساق بين روسيّا وإسرائيل سوى تأكيد للصورة وإسناد لتحالف الأقليّات الذي كانت إسرائيل سبّاقة في الترويج له، وجزءاً لا يتجزّأ من مكوّناته العميقة، خلافاً لخدعة الشعار الإيراني بإبادة الدولة العبريّة، والذي استغلّته إيران طويلاً لإنهاك العرب خدمةً ل”حلف الأقليّات”.
وفي حال نجاح موسكو في فرض هذا التحالف ستتجه المنطقة حتماً إلى ترسيم دويلات مذهبيّة طالما حلمت إسرائيل بها، فتصبح الدولة العظمى بين دويلات متناثرة من العراق إلى سوريّا ولبنان.
فما معنى أن يقتصر العمل العسكري الروسي بالطائرات والصواريخ العابرة للقارّات على الوسط الشمالي من سوريّا، وعلى الحدود الفاصلة بين الداخل السوري العراقي و”الدويلة البحريّة” وعاصمتها اللاذقيّة؟
ولا أحد يخجل بالعمل العسكري الجاري بين سهل الغاب وإدلب وجسر الشغور بحجّة تحريرها من الارهابيّين، وهو في الحقيقة يرسم حدود هذه الدويلة ومجالها الحيوي.
لم ترتكب الولايات المتّحدة الأميركيّة هذا الخطأ، أي شنّ الحروب تحت شعار ديني أو أقلّوي، برغم كلّ رعونة هذه الحروب ومغامراتها. ولم تستعْدِ الشعوب الإسلاميّة كما تفعل روسيّا الآن.
ولا أحد يستبعد أن تكون موسكو تغرق في الوحول السوريّة بتشجيع ضمني من واشنطن التي يتباهى كثيرون بأنّها فقدت هيبتها. فأميركا ليست فقط رئيسها الذي يتخبّط في ضعفه مع دخوله عامه الأخير، بل هي مؤسّسات ومراكز صنع قرار ومخابرات هائلة لا يفوتها تفصيل ولا تغيب عنها حركة.
وذاكرة توريط صدّام حسين في الكويت قبل 15 سنة لا تزال قريبة. وربّ قائل إنّ بوتين غير صدّام وإنّ روسيّا دولة عظمى غير العراق. هذا صحيح، لكنّ سياسة ركوب الرأس لا تعرف صغيراً أو كبيراً، وفي الصلف والمكابرة والمغامرة ولوثة القيادة التاريخيّة يتشابه معظم القادة.
ولا يمكن، أمام المغامرة الروسيّة، إلاّ استعادة مشهدين تاريخيّين تتقاطع معهما: مشهد الحروب الصليبيّة قبل ألف عام وما نتج عنها من مآسٍ على الشرق بأجمعه، وعلى المسيحيّين تحديداً. ومشهد حلف أقليّات عالمي ثلاثي لما عرف ب”المحور” في الحرب العالميّة الثانية. دول ثلاث (ألمانيا، إيطاليا، اليابان) مع قوى أقلّ شأناً بقيادة هتلر في وجه العالم، والنتيجة الكارثيّة تحقّقت.
وكأنّ التاريخ يعيد نفسه: “حرب مقدّسة” لإنقاذ الأقليّات، ودول ثلاث (روسيّا، إيران، سوريّا) مع قوى أقلّ شأناً، في وجه سائر العالم. ولا يحلمنّ حالم بانضمام الصين ودول “البريكس” لخوض حرب عالميّة ثالثة، فحدود التحالف الجديد مكشوفة ومعروفة، وأهدافه تحت المجهر العالمي.
وقد تكون موسكو، من حيث لا تدري، تنفّذ خطّة دوليّة بقيادة واشنطن. فيكون بوتين مرّة جديدة وسيطاً ناجحاً كما فعل تماماً في الملف الكيميائي السوري!
ولا سبيل إلى تحقيق انتصارات دراماتيكيّة يحلم بها بوتين. وهي، في أفضل حالاتها، ستكون على غرار “الانتصارات الإلهيّة” لحلفائه الإيرانيّين وفروعهم.
ولا غرابة في الأمر، ففي سيكولوجيا الحروب يلتقي القادة المتشابهون كما فعل هتلر وموسيليني، واليوم الثلاثي بوتين والخامنئي والأسد.
وفي كلّ الحسابات، لا يُنتظر أن يكون حظّ “تحالف الأقليّات الدولي” أفضل من حظّ “تحالف الأقليّات الإقليمي” أو المحلّي في لبنان وسوريّا.
أقصى ما تحقّقه هذه الأحلاف هو الكارثة على أهلها قبل سواهم، وصراعات بلا أفق.