“كنا هناك”: حملت البندقية وكان عمري 17 عامًا… مارون غنّام: حرب قبل الحرب

في أيار 1973 حمل مارون غنّام السلاح للمرة الأولى وهو لا يزال في السابعة عشرة من عمره، اعتمر قبعة القتال وارتدى سترة خضراء اللون وخرج إلى ساحات المعارك والقتال ليدافع عن القضية التي آمن بها ألا وهي الدفاع عن وجود المسيحيين في لبنان.

 “بدأت الحرب اللبنانية قبل العام 1975، أي منذ أيار 1973 من خلال الأحداث التي وقعت بين الجيش والفدائيين”. هكذا يبدأ مارون غنّام كلامه عن بدايات الحرب، ويتابع: “كنا في بيت “الكتائب” في منطقة الرميل وكنت لا أزال في السابعة عشرة من عمري حين حملت السلاح للمرّة الأولى ونزلت على الأرض مع الرفاق. كانت مهمتنا القيام بدوريات في الأحياء حيث يعيش كل واحد منا، ولم نكن مدرّبين على حمل السلاح واستعماله وقتها. بعد هذه الأحداث أرسلونا إلى أوّل دورة احتياط مع الجيش اللبناني وهناك كان أوّل احتكاك فعلي بالسلاح”.

مع انتهاء دورة التدريب في العام 1974 بدأ البلد بالغليان وكان الوضع يتأزّم شيئاً فشيئاً، فشعر اللبنانيون بوجود خطر في الأجواء يهدّد الوطن. وفي 13 نيسان 1975 اشتعلت الحرب في لبنان بسبب أحداث بوسطة عين الرمانة وكان مارون غنّام منتسباً الى حزب “الكتائب” وعنصراً في بيت “الكتائب” في الرميل.

يضيف غنّام: “أوّل معارك شاركت فيها كانت على الجبهات الثلاث التي فُتِحَت في الكرنتينا والتباريس ومنطقة النبعة. كانت المعارك لا تتعدّى وجود متاريس وإطلاق نار متبادل بيننا وبين الفلسطينيين. أما أوّل معركة شاركت فيها خارج منطقة الرميل فكانت في الحدث وكانت أوّل معركة تقع فيها مواجهات مباشرة بين الكتائبيين والفلسطينيين”.

 

وقعت معركة الكرنتينا في كانون الثاني عام 1976، وقتها كان غنّام قد انتسب إلى فرقة الـ “ب. ج” فشارك في المعركة وأصيب في رجله. عن هذه المعركة يروي غنّام: “كان شباب “الكتائب” يسيطرون على منازل المخيّم في المنطقة وقد كانت مصنوعة من الإترنيت، وانتهت المعركة بإستسلام الفلسطينيين. أذكر قصّة طريفة حصلت معي في هذه المعركة، عندما وجدت “راديو كاسيت” مرميًا على الطريق أمام أحد المنازل في مخيّم الكرنتينا فحملته وأخذته معي إلى المنزل. عندما وصلت بدأت والدتي بالبكاء من شدّة فرحها لعودتي سالماً من المعركة، واستحميت وخلدت إلى النوم. عندما استيقظت بعد ساعات وجدت والدتي في المطبخ وقد وضعت الراديو الذي أحضرته معي على الطاولة وبدت حزينة وغاضبة. سألتها لِمَ هي غاضبة فأخذتني بيدي ودخلنا غرفة النوم حيث تضع صوراً للقديسين وقالت لي وقتها: “أنا أصلي كل يوم من أجلك كي يحميك القديسون في القتال ولكي تعود سالماً معافى إلى المنزل. لم يبخل والدك يوماً عليك ولدينا الكثير من الراديوهات في المنزل، نحن لا نريدك أن تذهب إلى المعارك لتسرق أغراض الناس”. ظنّت والدتي بأنني سرقت الراديو من أحد المنازل فاستحلفتني أن لا أسرق مال الغير، لكنني أكدت لها أنني لم ولن أسرق شيئاً من أحد”.

مرحلة وجود غنّام في الـ “ب. ج” كانت مهمّة لأنها تعتبر فرقة كومندوس وكانت تتدخّل في كل المعارك. كانت فرقة مركزية أضافت لغنّام خبرة مهمّة حيث شارك في معارك الأسواق وتلّ الزعتر وغيرها، كما شارك في حرب السنتين من العام 1975 إلى العام 1977، وكان للفرقة دور في أغلبية المعارك في بيروت والمخيمات والفنادق.

أما عن معركة مبنى “هايكازيان” فيؤكّد غنّام أنها “استمرّت ثلاثة أيام وقد وقعت في منطقة بيروت الغربية كما كنا نسمّيها. دخلنا إلى مبنى الجامعة وكان الفلسطينيون يدخلون من الباب الآخر فتواجهنا داخل المبنى، وتعاركنا معهم لكننا انسحبنا. لم يكن لنا مصلحة في البقاء هناك ولم تكن بعد الحرب منظّمة وقتها. في تلك المعركة استشهد الرفيق ميشال حداد وقد تأثّرت جدّاً بتلك الحادثة. أذكر أنه خلال عودتنا من المعركة ناقلين ميشال إلى المستشفى كان المواطنون جميعهم واقفين خلف الشبابيك وعلى الشرفات وعلى أرصفة الطرقات يرشوننا بالورد والأرز والنساء يزغردن ويبكين كأن ميشال حداد كان إبن كل شخص من هؤلاء الأشخاص، أبناء المنطقة تأثروا جميعهم لاستشهاده”.

ويضيف: “في حرب الفنادق كان “الهوليداي إن” هو المبنى الأهم فأراد الكتائبيون تأمين حمايته بأي ثمن على الرغم من وقوع العديد من المعارك داخله حتى إنه في إحدى المرّات وقعت معركة مع الفلسطينيين في موقف السيارات.

قبل توحيد البندقية أطلق الشيخ بيار الجميّل نداء استدعى من خلاله كل شخص لحمل السلاح. يلفت غنّام إلى “أن حزب الكتائب كان بحاجة إلى عدد كبير من المحاربين، فلبّى العديد من الرجال والشباب النداء وأتوا لتسجيل أسمائهم بهدف التدرّب على الحرب والمشاركة فيها. أذكر وقتها أن ثكنتنا (الـ”ب.ج.”) كانت تقع في الأشرفية، غبت قليلاً عن الثكنة، وعندما عدت سألني أحد الرفاق “شو بيقربك جوزف غنّام”؟ تفاجأت عند سماعي الإسم لأنه كان والدي، فقد سجّل اسمه للتدرب على القتال. كان الجميع لديه الحماسة للقتال من الرجال الكبار الى الشباب الصغار، لم يفكروا في الأخطار المحدقة بهم بل كانوا يريدون الدفاع عن القضية وحماية الوجود المسيحي”.

صيف 1976 وقعت معركة تلّ الزعتر التي شاركت فيها فرقة الـ”ب.ج” وكان القوميون والفلسطينيون يقومون بهجوم في منطقة شكا في الوقت نفسه بهدف التخفيف من الضغط على تلّ الزعتر. كان مارون غنّام من العناصر التي تمّ فصلُها للمشاركة في معركة شكا، فأوضح: “ذهبنا وقتها مع الشيخ أمين الجميل لردّ الهجوم، ربحنا معركة شكا وأخرجنا الفلسطينيين من المنطقة. وبعدما دخلت قوات الردع أواخر العام 1976 أصبح هناك هدوء في البلد على الرغم من تأكدنا من أن الحرب لم تنته بعد. في تلك السنة أخذ الشيخ بشير الجميل قراراً بإلغاء فرقة الـ”ب. ج” فشكّلنا وحدات المغاوير وكان نواتها محاربو الـ”ب. ج”.

في أوائل العام 1978 بدأت المناوشات بين الجيشين اللبناني والسوري، فوقعت معركة في الفياضية وكان الجميع يتوقع وقتها انقسام الجيش اللبناني بسبب هذه المعركة. انتشرت قوات الردع السورية وتمركزت في البلد عام 1978 فأخذ بشير الجميّل قراراً بالتصدي لهم. كان المقاتلون، تحديداً العناصر السابقة في فرقة الـ”ب. ج” يذهبون ليلاً ومعهم بعض الأسلحة والقنابل فيطلقون الرصاص على الحواجز السورية ويرمونهم بالقنابل بهدف تخويفهم وإفهامهم أن المقاتلين لم يستسلموا”.

أما عن حرب الـ100 يوم التي وقعت عام 1978 في الأشرفية حيث كان السوريون متمركزين داخل منطقة الأشرفية فيقول غنّام: “في هذه المرحلة حصل أوّل احتكاك عندما قام حاجز سوري بتوقيف الشيخ بشير الجميل والتحقيق معه فبدأت التوترات بين الجيش السوري وبيننا إلى أن اندلعت الحرب فعلياً في حزيران 1978. شاركنا في هذه الحرب مدّة ثلاثة أشهر و10 أيّام، أهمّ وأشرس معركة في هذه الحرب كانت معركة مبنى “بيرتي” في الأشرفية. تُعَدّ حرب الـ100 يوم من أقسى المعارك على المقاتلين وعلى الشعب المسيحي، ربحنا هذه الحرب وخرج السوريون من المنطقة أذلاء. أذكر أن السوريين الذين شاركوا في حرب الـ100 يوم كانوا من الوحدات الخاصّة أي أكثر العناصر المُدَرّبة والأشرس على الأرض، وقد استطعنا أن نغلبهم ونخرجهم من المنطقة. وبعد حرب الـ100 يوم وقعت معارك العام 1979 التي لم تكن ذات أهمية بالغة”.

يتذكّر غنّام معركة قنات في شباط 1980: “بدأت هذه المعركة من خلال دخول دورية سورية إلى القرية لتأخذ اثنين من أبنائها بهدف التحقيق معهما، فوقف أهالي الضيعة وأقفلوا الطرقات مانعين بذلك الدورية من القيام بعملها وأطلقوا الرصاص على الدورية. في اليوم التالي تكتّل أهالي الضيعة وتجمعوا لمحاربة السوريين ومنعهم من دخول البلدة فأرسلتنا القيادة إلى هناك للقتال إلى جانب القوة التي كانت بقيادة الدكتور سمير جعجع. كانت معركة شرسة استمرّت أسبوعاً كاملاً دمّر السوريون خلالها البلدة لأنهم كانوا يقصفون منازلها بالراجمات”.

عن معركة تلّة الروس في الشحّار الغربي التي وقعت في صيف العام 1983 يشير غنّام إلى أن القيادة “كانت تُرسل لي كل يوم مقاتلين لا أعرفهم وليسوا من فرقتي، وفي أحد الأيام خلال المعركة كنت جالساً وكان برفقتي الرفيق شارل السخن وكان يحمل الذخائر واللاسلكي لكي نستطيع التواصل مع المقاتلين في التلّة المقابلة لنا. كان السوريون يقصفوننا بالراجمات، وكلما تعرضنا للقصف كانوا يكلموننا على اللاسلكي ليطمئنوا علينا والتأكد من أننا لا نزال على قيد الحياة. إحدى الراجمات صبّت قذائفها في الجلّ خلفي وكانت قويّة جدّاً وبدأت أصرخ للشباب لكن أحداً لم يُردّ عليّ. فقد استشهد شارل ورفيقان الى جانبه وأصيب رابع وفقد إحدى رجليه أما أنا فأشكر الله بأن إصابتي كانت طفيفة. بقينا في تلّة الروس أربعة أيام ثم سُحِبنا في البحر لأن الجيش استلم المعركة ليكملها”.

في أيلول 1983 عُيّن مارون غنّام قائد ثكنات المشاة ومفوّض منطقة الرميل. وفي أيار 1984 وقع حادث فردي بينه وبين دركي قام بإطلاق النار على غنّام فأصابه بأربع رصاصات خرقت صدره ويده والعمود الفقري مأ أدّى إلى دخوله المستشفى سنة ونصف السنة فغاب عن الأحداث من أيّار 1984 حتى تشرين الأوّل 1985.

يتابع: “بعد انتفاضة 12 آذار 1985 عُيِّنت نائب قوّات الدعم حيث كان “الحكيم” رئيس الأركان وإيلي حبيقة رئيس الهيئة التنفيذية. أما بعد 15 كانون الثاني 1986 تمّ تعييني نائب رئيس الشعبة الثالثة وبقيت في هذا الموقع حتى العام 1987. وتسلمت مسؤولية منطقة في حزب الكتائب”.

ويختم غنام كلامه عن مرحلة ما بعد الحرب ويقول: “عندما انتهت الحرب كنا نشعر بالخوف. في الفترة الأولى، تمّت ملاحقتي من الجيش اللبناني لكن لم يتمّ توقيفي أبداً. كان لي الكثير من الأصدقاء في الجيش اللبناني عرفتهم منذ أن كنت تلميذاً في المدرسة الحربية تدخّلوا لصالحي كثيرًا، وكانوا يتوسطون لي كي لا يتمّ توقيفي”.

بعد انتهاء الحرب ابتسم الحظّ لمارون غنّام وعمل كمدير لبنك مدّة 12 عامًا، وتحديدًا بين العامين 1991 و 2002، واتجه بعدها الى أعماله الخاصة.

يؤكّد غنّام أنه لم يندم على مشاركته في الحرب وسيعاود التجربة ويحارب مجدّداً بالإمكانات التي يتمتع بها إذا استدعت الحاجة.

* لأن القضية على مساحة الـ10452، تنقّل أبناؤها من جبهة الى أخرى مرة لصد عدوان ومرّة لتأخير إنهيار ومرة لتسجيل بطولات وطرد غزاة. فكان الرفاق يزرعون البطولة والعنفوان في كل شبر تطأه أقدامهم، وإمتزج عرق المناضلين ودماء الشهداء من الشمال الى الجنوب والجبل والبقاع وبيروت. وكتحية وفاء لهم، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “كنا هناك” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل