Site icon Lebanese Forces Official Website

نهر الموت لا يشبع… أكل الصهريج السيارة

ربما هو القدر الملعون الذي شاء أن تكون هدى مجدلاني وميشال يعقوب وسائق سيارة البيك أب في المكان والزمان الخاطئين. ربما. لكن لو لم يكونوا هم، لكان هناك أيضاً ثلاث ضحايا غيرهم نتيجة سرعة او إرهاق أو عطل ميكانيكي او عارض صحي تعرض له سائق صهريج محمل بالماء فاجتاح أرواح ثلاثة اشخاص قبل ان يلفظ أنفاسه الأخيرة.

هي مسألة ثوان، لكنها كانت كفيلة بإسدال الستارة على فصول حياة أربعة أشخاص. ميشال يعقوب إبن الـ23 ربيعاً وهدى مجدلاني أم لثلاثة شبان، وسائق البيك أب الذي رحل مع سر اسمه وهويته وأحلامه، وسائق الصهريج.

هي تلك الدقيقة التي قلبت موازين حياة مع انقلاب صهريج الماء على أوتوستراد نهر الموت السريع. لكن الثابت أن الموت السريع على طرقاتنا لم ولن يلفظ آخر أنفاسه. فالعابثون بأرواح الناس مندسون بيننا ولا من يردعهم. قلتم قانون سير جديد؟ إسألوا أولاً عن الضمير.

ليس قضاءً وقدرًا ولا مشيئة الله أن يسقط 8 ضحايا على طرقات لبنان في خلال 24 ساعة والسبب المباشر بات معروفاً… السرعة. سبب لطالما فكرنا أنه سيطوى مع صدور قانون السير الجديد أو على الأقل سيحسب له المتهورون ألف حساب. لكن تبيّن أن القانون بدوره يحتاج الى رادع لا بل حوافز ليصبح أكثر فاعلية مما ينذر بأن ما حصل على أوتوستراد نهر الموت السريع لن يكون خاتمة الموت السريع على طرقاتنا ولن تكون هدى وميشال آخر ضحايا السير.

كانت الساعة تقارب الثانية ظهراً أو ما يعرف بساعة الذروة على طرقات لبنان الرئيسية والداخلية، والمفروض أن تكون عجقة السير الخانقة التي تتزامن مع خروج موظفي الدوائر الرسمية وتلاميذ المدارس رادعاً أمام “مجانين” السرعة. على أوتوستراد نهر الموت السريع السير شبه عادي. ميشال يعقوب غادر مركز عمله في المقر العام لأمن الدولة الذي انتسب إليه منذ خمسة أعوام. كان المفروض أن يسلك تلك الطريق التي يجتازها يومياً لكنه لم يدرك أن مجنوناً ما أو متهوراً سيحوّل مشواره إلى رحلة عابقة بالدم والدموع. دموع أم ثكلى قد لا تجف على وحيدها وأخت كانت تنتظره في نهاية الأسبوع لينظما معا المشاريع ويسردا لبعضهما أخبار الشباب وأسرارهما كما العادة، وأب كان يعوّل على وحيده أن يحمل إسم العائلة ويؤمن استمراريتها.

على نفس الطريق كانت تقود المعلمة هدى مجدلاني سيارتها من نوع مرسيدس وهي أم لثلاثة شبان تراوح أعمارهم بين 17 و22 عاماً بعدما أنهت يومها التعليمي. لحظات ووقعت الكارثة. صهريج محمل بالماء يسير بسرعة 130 كلم في الساعة على خط اليسار اجتاح سيارة المازدا التي كان يقودها ميشال ليصطدم بسيارة من نوع بيك أب محملة بالتراب ويرسو على سيارة المرسيدس التي كانت تقودها هدى قبل أن يسقط في مجرى نهر الموت الجارف.

للوهلة الأولى فكر سكان المحلة أن انفجاراً ما وقع بسبب الغبار الذي تصاعد من سيارة البيك أب التي سقطت أيضاً في مجرى النهر. لحظات وانقشع الغبار ليكشف عن هول الكارثة. ما تبقى من هياكل السيارات المشلعة أكد أن إمكان نجاة أي من سائقي السيارات التي اجتاحتها الشاحنة مستحيلة. وتبيّن لاحقاً بحسب أحد المنقذين في الدفاع المدني أن إمكان انتشال جثث كان مستحيلاً بدوره. فقوة الإرتطام أدت إلى تشوه الجثث وانفصال رأس الضحية هدى عن جسمها. ويروي أحد المنقذين أن عملية قص كل سيارة استغرقت أكثر من ثلاثة أرباع الساعة بسبب الأضرار التي لحقت بالسيارات لا سيما سيارة هدى التي كانت “مطبقة” على بعضها.

كتب اللغة العربية والإنكليزية كانت لا تزال على مقعد سيارة هدى الخلفي وكذلك جهاز الكومبيوتر الذي تحطم وحقيبة اليد وهاتفها الخليوي الملوث بالدم وأيضاً زوادة الطعام التي حملتها معها صباحاً ولم تكملها. كانت تخطط لتتناول طعام الغداء مع أولادها وتجلس معهم إلى المائدة ليناقشوا كما العادة هموم اليوم الدراسي وهواجس المستقبل. لكن نقطة النهاية كتبت هنا من دون أن تضع حتى علامة على نهاية فصل من كتاب حياتها وأدخلت عائلتها في إجازة قسرية بعيدًا عن الفرح وحنان الأم.

وفي منجز عكار مسقط رأس ميشال يعقوب ابن الـ23 ربيعاً كان العرس السماوي لوحيد العائلة، عرس لطالما خططت له الأم التي أرادت أن تفرح مع والده بوحيدهما. فجاء اليوم من دون أن يحددا له الموعد ودخل ميشال قريته محمولاً بالنعش الأبيض على أكف الأهل والأقارب وزغاريد النسوة المشبعة بالعويل والبكاء.

حادث نهر الموت ليس الأول ولن يكون الأخير في مسلسل الموت السريع على طرقات لبنان لكن في كل مرة تقع كارثة مماثلة تقوم الدنيا ولا تقعد، وتستنفر الأجهزة الأمنية للملمة مآثر القانون الجديد وتسجل محاضر ضبط بالمئات لا بل بالآلاف في حق المخالفين. لكن الهمروجة تنتهي في أقل من 48 ساعة. أسباب الحادث غير واضحة المعالم وإن كانت وضعت على مشرحة التحقيقات والترجيحات كثيرة. قد تكون تقنية ناتجة عن عطل في الفرامل كما في كل مرة يقع فيها حادث مأساوي مماثل، أو إصابة السائق بنوبة قلبية ما أو أنه ببساطة كان يغط في نوم عميق بسبب الإرهاق الناتج عن القيادة لمسافات طويلة. لكن الصور التي أظهرها شريط الفيديو تثبت أن السبب الأول والمباشر هو السرعة. فالشاحنة كانت تسير بحسب خبراء في اليازا بسرعة 130 كلم في الساعة وبحمولة زائدة. وبحسب شهود عيان فإن الشاحنة اجتاحت السيارات الثلاث من دون أن يطلق سائقها زموراً مما يرجح أنه إما أصيب بعارض صحي ما او أنه كان يغط في نوم عميق ولم ولن يستيقظ منه لأنه كان يفترض أن يطلق زموراً لإنذار السائقين لمجرد أنه اكتشف وجود عطل ما في الفرامل.

مواقع التواصل الاجتماعي امتلأت صفحاتها بخبر حادث نهر الموت المأساوي، وبصور ومشاهد من موقع الحادث تكشف عن فداحته وحجم الخسائر المادية والبشرية. وفي بعض منها مشاهد لا تمت إلى الأخلاق الإعلامية بصلة. لكن بعد 24 ساعة عادت أخبار الحراك المدني وتوقيف أسعد ذبيان تتصدر المواقع. في حين أن المطلوب حراك على المستوى الحكومي للحد من ضحايا السير على الطرقات. ومن أبرز الخطوات الواجب اتخاذها بحسب أمين سر اليازا كامل إبراهيم أن يعمد رئيس الحكومة تمام سلام الى تعيين أمين سر المجلس الوطني للسلامة المرورية وتشكيل فريق عمل متخصص لإدارته ويدعو فوراً لانعقاد جلساته. وتتمثل الخطوة الثانية في وضع إشارات تحدد السرعة الخاصة بالشاحنات لأن السرعة المعتمدة للسيارات السياحية لا تنطبق على الشاحنات وإعادة العمل بقانون الرادارات واستحداث مراكز استراحة وصيانة عند نقاط المعابر البرية لإخضاع الشاحنات التي تدخل الحدود اللبنانية للصيانة والتأكد من سلامة الفرامل والميكانيك والسماح لسائقي الشاحنات بأخذ قيلولة قبل استئناف السير. هذه الحلول وحدها من شأنها أن تحدث علامة تحوّل في مسلسل الموت السريع على الطرقات. ما عداها يبقى في إطار الحلول العشوائية.

قبل أن توارى جثامين ضحايا حادث نهر الموت انشغل المحللون في هوية السائق الذي رجحت المعلومات الأولية أن يكون من التابعية السورية، وتبيّن لاحقاً أنه لبناني من طرابلس وسائق البيك أب سوري الجنسية. والسؤال الذي يطرح هل يحمل السوريون رخصة سوق لقيادة الشاحنات؟ هل يتم تدريبهم على أصول القيادة على طرقات لبنان؟ أيضاً المسألة تحتاج إلى إعادة نظر في كيفية ضبط الفوضى الحاصلة في نقابة سائقي الشاحنات وإدخالها في منظومة خطة السير الشاملة.

ذاك الإثنين سجل سقوط 8 ضحايا على طرقات لبنان من بينهم أم حامل وطفلة بعمر 3 سنوات. في لبنان ثمة ضحايا سير كثر. لكن أيضاً ثمة قتلة ومجرمون على الطرقات.

Exit mobile version