.jpg)
صُعق قلب أبي بذبحة قلبية، قالوا انها خلفية أي الاقسى، كاد أبي أن يقفل باب الحياة خلفه لولا نجدة اللحظات الاخيرة والقرار الالهي الكبير بأن يعيش، وعاش أبي من جديد، القلب الكبير الذي حمل وجعاً بحجم قلب من وجع الأيام.
نجا وعاد بيننا ينبض حياة وحبا أكبر لنا، لم يخف أبي أن يخسر حياته، خاف أن يخسر فرصته برؤيتنا من جديد فكنا كلما دخلنا اليه في غرفة العناية الفائقة، يتفرّس بوجوهنا، يجول في تفاصيل تعابير عيوننا ليتأكد من أننا بخير، ليطمئن الى أننا لسنا خائفين عليه، لا يريد أبي أن نموت من الهمّ قبل أن يموت هو، يريدنا أن نبقى مطمئني البال حتى وهو مربوط الى الحياة بتلك النباريج الغريبة والالات التي تطنطن فوق رأسه كزمامير الخطر.
ورغم تحامله وتحايله على الألم سقط أبي في التجربة، تجربة الحب الكبير لناوشوقه الينا ونحن معه، وكلما أخبرته أن الضيعة تهديه تحياتها وخوفها عليه تفيض دموعه ويعجز عن الاجابة، وطبعا لم نتجرّأ أن نخبره أن حفيده الذي يتخصص جرّاح عظام في أميركا يتصل كل ليلة ليطمئن اليه ويعرف كل التفاصيل الطبية التي المّت به، لان قلب أبي صار في عينيه، وعيناه نهر دموع نسبح نحن فيها بأسمائنا والواننا وأصواتنا وقدرنا الذي هو بنفسه صنع الجزء الاكبر منه برعاية يسوعه وتلك العذراء التي يذوب بحبها وتحرس يومياته بالتأكيد.
الى سريره في غرفة العناية الفائقة سأل أبي “شو صاير هاليومين بالبلد؟ بعدو الوسط التجاري خربان؟ بعدها الزبالة عم تاكل بيروت؟ عملوا مظاهرة ع القصر الجمهوري؟”،أجبته باقتضاب كي لا أغرقه بوجع أكبر بعد، سكت أبي للحظات وهو يعرف اني لم أجب كما يجب “فيرا صار شي برئاسة الجمهورية ما بدي أعرف بغير اشيا شو صار المهم شو الجو بقصة الرئاسة؟”. ومن أنا يا أبي لأعرف أكثر من أن لا شيء حصل ولا يبدو أنه سيحصل، صرنا لا شيء يا أبي في وطن يحتاج قبل سواه الى غرفة العناية الفائقة، قلب الوطن ليس علينا يا أبي لذلك هو لا يصاب بذبحة قلبية من فرط الحب والخوف، هو يذبحنا نحن ويقطع شرايينا الواحد تلو الاخر لنصبح من ساكني غرف العناية الفائقة ولا من عناية.
لا تسأل يا أبي عن قلب الوطن، هو ليس علينا، إسأل فقط عن قلبك، إجعله همك الاساسي الان واترك الوطن لحاله لانه جعلنا لحالنا من دون اوكسيجين ولا تلك النباريج التي تحيي في شراييننا الحياة.
صرنا القمامة المتنقلة يا أبي ونحن نتفرّج على قمامتنا تجتاحنا في البيوت والشوارع، مامتنا ليس بالضرورة تلك النفايات الجبال، انما هي من تراكم تواريخنا السوداء، اذ لا أحد يسأل هنا يا أبي عن التواريخ البيضاء، عن المقاومين اللبنانيين الحقيقيين الشرفاء، عن الشهداء الشهداء، عن الأحياء الذين شرّفوا الوطن بنضالهم ولا زالوا كذلك. هؤلاء يهرب منهم الوطن يا أبي، يتنصّل منهم ويسأل فقط عمن يخافهم، وهو خاف من الفاسدين والفريسيين وتجار الهيكل الذين يحتلون شرايين الوطن ويستبدلونها على الفور بشرايين بلاستيك أو نايلون كي لا تشعر بشيء وتنام في اللاشيء وتصبح بلا شعور ولا قلب، فلا تصاب بالذبحة القلبية، ولا تدمع حين يسألها أبن أو ابنة حفيد أو حفيدة “شو كيفك اليوم جدّو؟” فيغرق بدموع الحنان لان القلب الكبير مصنوع معجون مفتون بالحب الخالص لكل هؤلاء.
هذه هي المشكلة يا أبي، إسأل فقط عن قلبك ودع قلب الجمهورية لناسها، فقد “يزمط” أحدهم من وسط كل هذا العويل والفساد ليعلن الولاء لقلب وطن لن ينجو الا اذا أعلن له وحده الانتماء بعيداً عن زيف السياسة والضوضاء…
