قرع الباب… قولكن هيدا سمير؟ سمير كساب متى تعود؟…

كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1529

هذه حكاية لبنانية بامتياز. هو ليس إبن مسؤول في دولة المسؤولين الفاسدين، ولا هو إبن زعيم من زعامات الزمن الرديء، ولا هو إبن ثري أو نافذ أو وجيه، هو مواطن لبناني برتبة “عادي” من بلدة حردين، إبن عيلة لبنانية مؤمنة حسبها أنها تؤمن بأنها تعيش في كنف دولة، ولكن ومنذ اختطافه في سوريا في  15 تشرين الأول 2013 ما زال المصور الصحافي سمير كساب في المجهول، ولا من خيط رفيع يدل على مكان وجوده سوى تلك الإشارات البعيدة القريبة الى أنه ما زال حيا، و”الدولة” ما غيرها التي آمن بها سمير، ما زالت حتى اللحظة عنه في غياب!!

وينن؟ أين جوزف صادر؟ أين المعتقلون المغيبون في سجون بشار الاسد؟ أين سمير كساب؟ هذا وطن الأسئلة الكبيرة الكثيرة ولا أجوبة. ممنوع علينا أن ننال جوابا واحدا شافيا يطفئ نار القلب، وجع العمر، دمع الأهل وخوفهم كي لا نقول ذعرهم. أين سمير كساب أم لعل ما عادت تُسأل تلك الدولة عن أبنائها وهم يصبحون رويدا رويدا في دوائر خطر جماعية، وكل منهم مرشّح لأن يصبح في الغياب أو في المجهول في أي لحظة ويبقون كذلك للأبد؟

للمرة الألف أين سمير كساب؟ ذاك المصور الشاب مراسل “سكاي نيوز” العربية، إبن حردين في ذاك الشمال القريب، الذي لحق طموحه الى أبو ظبي ليصبح من بين الفريق التقني في المؤسسة الإعلامية الشهيرة، وليصبح لاحقا مصورها في سوريا، مهمته لا علاقة لها على الإطلاق لا بالسياسسة ولا بالنظام ولا بالمعارضة، ففي البلد التي تنهكها الحرب، تلاحق كاميرا سمير حكايا ناسها وصمودهم وسط أجواء الموت والدمار.

“كان أول يوم بعيد الأضحى وكان سمير عم يتجوّل بسوق حلب ويصوّر أجواء العيد من ضمن سلسلة ريبورتاجات عن الوضع الإنساني بريف حلب أيام العيد بظل الحرب، كنت اتصلت فيه قبل بنهار عبر الفايسبوك متل العادة، وتاني يوم اتصلت به خطيبته رزان ولم يجب، عادت واتصلت بمكتب أبو ظبي خبّروها إنن فقدوا معو الاتصال وعم يحاولوا مرة تانية، وتالت يوم خبّرونا إنو الاتصال مع سمير فُقد نهائيا” ومذذاك اليوم وأخوه جورج والعائلة وخطيبته في بحث مرير مضن عن سمير ولا خبر.

الكل صار يعرف تلك الحكاية، لكن الجميع بدا وكأنه تخلى عن سمير، وكأن قصة ذاك الشاب الذي لم ينتمِ يوما الى حزب أو الى سياسي معين، إبتلعتها الأيام والتفاصيل اللبنانية الكبيرة والصغيرة وليتحوّل سمير، كما كثر ممن سبقوه، الى عالم المنسيين، لأن لا دولة حتى الآن حملت قضيته بالجدية المطلوبة والسعي الفعلي لتسأل عنه أو تطالب به، وكأن سمير مجرّد رقم أو صفحة طواها الغموض، وهو ليس الأول بطبيعة الحال وبالطبع لن يكون الأخير في جمهورية أدمنت ضياع أبنائها.

“ما تركنا مرجعية سياسية أو حزبية إلا وطرقنا بابها” يقول أخوه جورج بحرقة بالغة، جالت العائلة على المرجعيات كافة وخصوصا المسيحية منها، كما زاروا السفير القطري في لبنان والسفير التركي، وكذلك وزير الخارجية جبران باسيل الذي قال لهم إنه ذكر قضية سمير أكثر من مرة لزميله القطري، لكن وحتى الساعة لم تصل عائلة سمير الى أي نتيجة بل على العكس كانت الأمور تزداد سوءا مع كثرة الوعود الفارغة وتراكم الأيام والخوف عليه، بارقة أمل وحيدة كانت لاحت لهم عندما زاروا مدير عام الأمن العام اللواء عباس ابراهيم الذي تعهّد لهم ملاحقة القضية، وبعد نحو سبع زيارات إليه أخبرهم ابراهيم أنه وصل الى إتفاق ما مع القطريين ولا ينقص سوى تفاصيل صغيرة قبل تحريره وعودته الى أهله، لكن شيئا من هذا لم يحصل خصوصا بعدما طرأت على الساحة اللبنانية قضية العسكريين المخطوفين ودخلت قضية سمير كساب في ثلاجة الانتظار.

“ما عنا وزن سياسي تـ نقدر نضغط على حدن حتى بدورو يضغط على الخاطفين أو من يعرفهم”، لكن ما لم يعرفه جورج وعائلته أن ثمة كثرة من الأطراف السياسيين لم تهتم أساسا لقضية سمير كسّاب لأنها بالنسبة للبعض هي قضية خاسرة، وبالنسبة لآخرين ممكن تحويل قضية سمير الى ورقة انتخابية وابتزاز عاطفي رخيص عبر الوعود الكاذبة من هنا أو من هناك للاستفادة منها لاحقا وحين تقضي الحاجة، خصوصا أنه تبيّن لاحقا أن الجهة القطرية لم يصلها فعلا أي سؤال أو طلب مساعدة جدّي لمعرفة مصير سمير منذ أكثر من سنة.

“نحنا عم نحاول ننفتح على الجميع وما عنّا مشكلة مع حدن، كل مطلبنا عودة سمير وما يخيفنا إنو حتى اللحظة الخاطفين ما طالبونا بفدية مثلا ولا طالبوا أي جهة تانية بشيء آخر إذا اعتبروا إنو سمير ورقة ضغط لفرض شروط معينة” يقول جورج، لكن بصيص النور الوحيد الذي أنعش آمال عائلة سمير أنه ما زال على قيد الحياة، كانت عبر “السكاي نيوز” التي تكبّدت مبالغ طائلة مقابل معلومات عنه وتبيّن لاحقا أنها خاطئة، فتراجعت الشركة عن المتابعة تجنبا لوقوعها في المزيد من الابتزاز مقابل لا شيء.

إذن عادت العائلة الى نقطة الصفر، وبعدما كانت زارت الدكتور سمير جعجع على أثر اختفاء ابنها لمساعدتهم في هذه القضية، آثر الدكتور جعجع يومذاك أن يبقى سعيه في الخفاء خوفا على حياة سمير، ولم يتمكن من الوصول الى أية نتيجة وخصوصا بعد اندلاع أحداث عرسال، لكن وبعدما شعرت العائلة أن قضية سمير بدأ يلفها التجاهل والنسيان، عادت وطلبت من الدكتور جعجع التدخل من جديد.

رفضت العائلة القيام بأي تحرّك شعبي على الأرض، إن من خلال الاعتصامات أو التظاهر وقطع الطرقات وما شابه، إذ ما زالت متمسّكة بحبل الضوء والإيمان علّ التحرّك من خلف الكواليس يأتي ثماره.

في زيارته الأخيرة الى قطر، سأل الدكتور جعجع الجانب المضيف عن سمير كساب، قد يكونون يعرفون أين هو ويعرفون تفاصيل كثيرة عنه لكن لا أجوبة نهائية، إنما وعد بالمساعدة والتصرّف خصوصا بعدما لمسوا أن طلب المساعدة هذه المرّة ملح جدا، وأتى عبر شخصية شفافة تعتبر من الأصدقاء المقربين ولا تساوم على أي شيء خصوصا في القضايا الوطنية والإنسانية المشابهة، وعد القطريون خيرا وهذا كان أقصى ما يمكن أن يعدوا به نظرا لتعقيدات الوضع الداخلي في سوريا وتعدد الجهات المتصارعة.

لكن ما يحزن أهل سمير هو التغييب والتقصير الإعلامي الفاضح في قضيته “ما منعرف ليش قضية سمير ما أخدت حقها إعلاميا، عنا عتب كتير كتير كبير على الإعلام بلبنان، وقت لـ تُطرح أسخف القضايا على التلفزيونات خطف صحافي لبناني ما عاد إلو مطرح عنا؟! ليش؟ مش كل إعلامي معرّض للموقف ذاتو ولنفس الخطر؟ منفهم إنو الدولة عاجزة ولا عتب عليها، هي العسكريين المخطوفين ومعروف مطرحن ومين خاطفن وما عم تقدر تحررن فكيف بسمير؟ ولكن هل الإعلام كمان عاجز أم هو يستنسب القضايا اللي بيطرحها أمام الناس؟” يتساءل جورج الذي يحاول أن يعيد أجواء الهدوء الى المنزل لكن من دون نتيجة.

تدخل بيت سمير فتجد سيدة وقورة تهيم على ذعرها وتحاول جاهدة ادعاء عكس ما هي عليه، سيدة فُجعت منذ خمس سنوات بموت إبنها ايلي بعدما غلبه المرض في عز الصبا، ولم تخرج بعد من شجنها حتى اختُطف سمير من بين عينيها، “إمي مكفاية بقوة العدرا مش أكتر من هيك والوالد بيدّعي القوة وهو عم يتخزّق من جوا”، والوالد هو أنطوان كسّاب ذاك المناضل العتيق الذي كان برفقة الحكيم أيام الجبهات، لكن قلب المناضل صار طريا كالعصفور لأنه لا يعرف أين ينام ابنه وإذا كان ينام، وهل أصبح لقمة سائغة للخطر والعذاب، وهل سيعود ومتى يفعل؟

باقي أفراد العائلة، أي جورج وربيع وريتا، يقبعون في الانتظار، يحاولون إضفاء أجواء الحياة على المنزل الذي يمزمز الخوف لحظة بلحظة، حسبهم أن يستيقظ الضمير، أن يدرك الخاطفون أن سمير لا يفيدهم بشيء، أن لا علاقة له بأي شيء سوى بالتقاط صورة أطفال يعيشون تفاصيل الحياة رغم كل شيء، وكلما قرع جرس البيت يقف الجميع في لهفة السؤال “قولكن هيدا سمير؟”.

هذه حكاية لبنانية بامتياز، حكاية عن وطن هجر أبناءه فتحولوا الى فيلم بوليسي مفجع أبطاله نحن، مخرجوه هم، ممثلوه أولئك، والسيناريو المحبوك بدقة اسمه التسيّب والفوضى واللامبالاة. سمير كساب متى تعود؟…

*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسَ فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل