.jpg)
جاء التورط الروسي المتخم بالغرور الأعمى، تقوده نشوة العنجهية المزيفة، في المستنقع السوري، ليحتل صدارة المشهد، ويُشكل العنوان الرئيسي للحدث، غير أن الحالة الهزليّة لما يجري حملت، في بعض جوانبها، ما يبعث على الغثيان، ويُرسخ الاعتقاد بسوريالية ما يحدث في الأرض السورية التي جمعت القتلة والمجرمين وتجار الدين، ليمارسوا بشاعتهم وحقدهم الأسود، ويُنكلون بشعب ثار بغية الحرية والكرامة.
ثمة مشهد يبدو هامشياً للوهلة الأولى، إلا أن التدقيق فيه يختزل ما يُحاك، ليس لسوريا فحسب، بل للمنطقة بأسرها، ففي يوم الجمعة الماضي، اعتلى منبر الجامع الأموي في دمشق خطيبه مأمون رحمة، وبأداء تمثيلي مبتذل ومبالغ فيه، كان أقرب إلى المهرج منه إلى خطيب مسجد، فلم تكن خطبته ابتهالا لله أن يفرج الكربة ويزيل الغمة ويتوقف نزيف دم أبناء بلده وتشردهم في أصقاع الدنيا في تغريبة يرثى لها، بل أغدق في كيل المديح والثناء للمحتل الروسي الذي يمطر السوريين، كل يوم، بأطنان المتفجرات، ويجرّب أسلحته الفتاكة على المستضعفين ممن لا حول لهم ولا قوة. أطنب (المهرج) في غزله ببوتين، ووصفه بالقائد الفذ والعملاق المحبوب الذي جاء لينقذ سوريا من الجحيم الذي تعيشه، بل أخذ يطلق الأيْمان بأنه سيحمل بندقيته ويدافع عن روسيا، حينما يهاجمها الإرهاب، على حد وصفه.
في تلك اللحظات، كانت المروحيات الروسية تصب حممها بكل إجرام وهمجية على مساجد في الرستن، لتحصد أرواح أبرياء مجتمعين في دار عبادة لا في ساحة معركة، ما يضعنا أمام مسألة العبث بالدين، وتدنيسه بقذارة السياسة، فذلك المستشيخ، ومن جر جره من المتوشحين برداء الدين، ومدّعي العلم الشرعي من جلاوزة نظام سفاح الشام، هم الوجه الآخر للعملة نفسها التي تحمل، في وجهها الأول، داعش، حتى الغزاة الروس تبجحوا، بكل صفاقة ووقاحة، حين صرّح بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية في موسكو بأن بلاده تخوض (معركة مقدسة) في سوريا، ما يتناغم مع ما يروجه، منذ زمن، باضطهاد الأقليات الدينية، وأنها تواجه خطر الإبادة على يد الأكثرية السنية، مع كونهم يُقتلون بكل أنواع الأسلحة، ويُهجرون من بلادهم، وهي تعمية مقصودة لتشتيت الانتباه عن جوهر القضية، المتمثل بما يقترفه نظام الطاغية وشركائه الطائفيين.
كل من دخل الساحة السورية، بما يحمله من أهداف سياسية، استخدم الدين قناعاً يخفي بشاعة ملامحه، بدءاً من حماية المقامات المقدسة لدى الشيعة، إلى إقامة دولة الخلافة التي ستحقق العدالة، وصولا إلى معركة بوتين المقدسة، فالجميع جاء لمحاربة داعش، لكن المفارقة أن التنظيم المتطرف يتمدد ويبسط نفوذه أكثر، مع كل ضربات التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن على مدى أشهر، إضافة إلى الغارات الروسية والصواريخ بعيدة المدى.
الهدف الذي تسعى إليه كل الأطراف الدولية هو تقسيم المنطقة إلى دويلات ذات صبغة دينية وقومية، لتتقاسم النفوذ فيما بينها، إلا أن استفزاز المشاعر الدينية قد يقود إلى انفجار أكبر يجتاح المنطقة بأكملها، ما يضعنا أمام مناخات حرب عالمية.
لن يفلح الروس بحصد أي إنجاز يذكر، وكل ما سيقدمونه هو مزيد من الموت المجاني والدمار، لشعب اتفق العالم على خذلانه، غير أن صمود الشعب السوري وبسالته ويقينه العميق بالله يؤكد، كل يوم، أن كل رهانات الآخرين خاسرة لا محالة.