لا أحد يناقش في أنّ ما يدور في سوريّا والعمق العربي هو ضمن تجاذبات ما بعد الاتفاق النووي لتحديد الأحجام وفرز الحصص عبر إقامة توازنات جديدة.
لقد انتظرت موسكو أكثر من أربع سنوات خارج الحلبة السوريّة المباشرة، تمدّ النظام بالدعم من وراء الحبال، ودخلت الآن بقوّة إلى خشبة الصراع، في مرحلة تطبيق الاتفاق وتقاسم الكعكة الكبرى. فلا شكّ في أنّ دخولها يتصل بما بعده لا بما قبله.
وإذا كانت سوريّا قابلة للتقاسم الإقليمي والدولي، وكذلك العراق واليمن وسائر ساحات الأزمات في المنطقة، فإنّ لبنان يبدو عصيّاً على التجيير في حساب هذا الطرف أو ذاك، وخارج المحاصصة المكشوفة عند سواه.
لا يمكن التوهّم بأنّ لبنان عاصٍ على التجيير بفعل قوّته أو الحنكة الاستثنائيّة لدى حكّامه وسياسيّيه، وهم العاجزون عن إدارة أبسط شؤونه، بل لأنّه وليد توازن تاريخي يشكّل سرّ بقائه واستمراره، وأيّ خلل فيه يعني إلغاءه ككيان ودولة ووطن، وهذا ما يأباه القريب والبعيد.
ولأنّ لبنان، برغم كلّ مآسيه وتراكم أزماته، محكوم بالبقاء على قيد الحياة، فإنّ تسويات ما بعد الاتفاق النووي ستحيد عنه، فلا يسقط في حساب هذا المحور أو ذاك، ولا يٌحسب لفريق ضدّ آخر، ولا يخضع لتجربة القوّة والغلبة والحسم العسكري الانقلابي.
وهذا ما يفسّر غليان “حزب الله” المتجبّر في قفصه، يحاول الانفلات لإطاحة لبنان المتوازن فيرتطم بجدران القفص كثور هائج محدود القدرة والحركة. بل يفعل أكثر: يهدّىء روع هائج آخر يظنّ أنّه قادر على إعادة عقارب الساعة ربع قرن إلى الوراء.
والساحة النموذجيّة لاختبار هذا الواقع هي قصر بعبدا. وكرسيّه الفارغة تنتظر رئيساً من قماشة التوازن اللبناني التاريخي، لا من نتاج غلبة سلاح جرّب كلّ فرصه للانقضاض على الدولة في 7 أيّار 2008 وقبله وبعده، وانكفأ.
ولن يكون الرهان على موسكو، بعد دخولها المعترك السوري، أنجح من الرهان على نظام الأسد نفسه، وإيران نفسها، وسلاح “حزب الله” نفسه. وليس هناك ما هو أشدّ هزليّة من رفع صورة بوتين خلال تظاهرة بعبدا، وهزليّة الاحتفاء بضابط متقاعد، بدل تكريم الضبّاط الشهداء.
إنّ الكاريكاتور السياسي الذي نشهده في هذه المرحلة لا يوصل أصحابه إلى أي هدف. فلو يستطيعون القراءة بعينين صافيتين لأدركوا أن قصر بعبدا بات خارج الاتفاق النووي، وخارج الرهان على الانقلاب الموسكوبي.
في مطابخ القرار الدولي والإقليمي، بدأ حديث عن هويّة الرئيس العتيد للبنان، بعيداً من الضجيج اليومي على المنابر وفي الساحات، ومن خطب الويل والثبور وعظائم الأمور.
وقد عاين اللبنانيون مرّات عدّة سقوط الرهانات على طفرات إقليميّة منذ حافظ الأسد وصدّام حسين، ولا شيء يوحي بنجاح الرهان اليوم على خامنئي وبشّار ونصرالله. وفوقهم الآن بوتين.
ربّما فوجئوا بأنّ أهداف هذا الأخير وحساباته لا تلتقي تماماً مع الآخرين، بل قد تتناقض وتصطدم، فلعبة الأمم شبكة لا ترحم. ولعلّ المؤشّر الأهم في هذا المجال هو إصرار موسكو على رئيس توافقي للبنان، بعدما باتت لها اليد العليا في سوريّا.
قصير النظر من يتوهّم أنّ شاغل قصر بعبدا سيكون محسوباً على بشّار الأسد أو علي خامنئي، أو بوتين نفسه. أو على “تحالف أقليّات” إقليمي أو دولي. أو أنّه يأتي على صهوة عاطفة شعبيّة مستجمعة غبّ الطلب ثبت مراراً أنّها حركة غوغائيّة تتبدّد كفقاقيع صابون.
سيكون رئيساً يجيد نسج العلاقات الناجحة على التقاطع الإقليمي – الدولي، والتقاطع اللبناني – اللبناني، ولا يبني صورته على الشعبويّة العابرة والمتهالكة.
سابقاً، رفعوا يافطات “شكراً قطر” ، وسرعان ما نزعوها. وغداً سينزعون يافطة “شكراً بوتين”. وبين الحالتين ندمٌ كبير على “شكراً بشّار ونصرالله”.
قصر بعبدا ليس ثمرة من ثمار الاتفاق النووي. بل سيكون حكماً ثمرة التوازن اللبناني الألماسي الذي لا يسقط ولا ينكسر.